فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


أسباب الحرب الروسية العثمانية - تتمة

عُلم مما نشرناه في الجزء الماضي أن الدول الأوربية اغتنمت فرصة إشعال
روسيا الفتنة في بلاد البلقان العثمانية لأن تجعل لها حقًّا رسميًّا في زلزلة استقلال
الدولة العلية بمشاركتها في أحكامها وإدارتها، ولو في بعض الولايات، وأن تُصَدِّق
الدولة على ذلك؛ لتقوم الحجة عليها في كل آن، وأن هذا هو السبب في رفض
مطالب المؤتمر، وقد كان مدحت باشا أبصر رجال الدولة بعاقبة الحرب التي تتوقع
من رفضها، كما كان أعلمهم بضرر قبولها، وإننا ننشر المذاكرة والمشاورة في هذا
الأمر مما كتبته الجوائب عن المجلس الأميّ الذي أمر به مولانا السلطان يومئذ وهو:
(قال مدحت باشا: إذا رفضنا مطالب الدول أدى ذلك إلى فسخ المؤتمر،
فربما يعلن بعض الدول بحربنا، والمترجح عندي أن دولتي إنكلترا وفرنسا يبقيان
على الحيادة، أما الروسية التي هي أصل اقتراح هذه المطالب، فيُحتمل أنها تجري
إيجابها علينا بالسيف، وأما أوستريا فحيث إن من رعيتها 17000000 من
الصقالبة، فمن الصعب علينا أن نجزم بما يتأتى لها أن تفعله، فإذا كان سكانها من
المجر يتساهلون معها، فلا يبعد أنها تتحد مع الروسية وتعلن بمحاربتنا، فيمكنها
والحالة هذه أن تستولي على بوسنة وهرسك إلى مدة غير معلومة، أما سكان
الصرب والمملكتين (الأفلاق والبغدان) والجبل الأسود فالأقرب إلى المعقول أنهم
يكونون أضدادًا لنا، فليس من المحتمل أن نتكل على مساعدة أحد من الخارج، فإذا
اعتبرتم هذا كله فلا نخفي على أنفسنا أن أحوالنا في بحران.
فقال صبحي باشا: إن الصقالبة من سكان أوستريا ليس عندهم من القوة ما
يكون به خطر علينا. فطلب مدحت باشا أن يعرف على الحقيقة ما هي قوة الدولة
العلية، فقال بعض العلماء: إن ما يلزم للمملكة أن تفعله هو أن تتكل على المولى
سبحانه وتعالى، وتُقبل على الحرب.
فقال مدحت باشا: إذا رمنا الإعلان بالحرب لزمنا بالضرورة أن تكون لنا قوةً
عسكرية مكافئة، فإذا غلطت في ذكر مقدار قوتنا العسكرية، فناظر الحربية الحاضر
الآن بيننا ينبهني على غلطي، فأقول: إن عدد عساكرنا الآن يبلغ من 500000 إلى
600000 وبحمده تعالى وبعناية مولانا وسلطاننا المعظم قد أمدَّت هؤلاء العسكر
بالسلاح الكافي، فصاروا مستعدين للقتال، وقد أوصينا من أميركا على مقدار وافر
من قراطيس البارود؛ ولكن إذا صار الإعلان بالحرب يحتمل أن يقع القبض عليها
قبل وصولها إلى الآستانة، ولا يخفى عليكم أيضًا أنَّا الآن لا درهم لنا ولا دينار،
وأبواب الصيارفة وأصحاب المعاملات المالية مقفولة دوننا (كذا في الأصل
والصواب مقفلة) ولا يمكننا إبقاء جيش بدون دراهم.
فقال رءوف بك (ابن المرحوم رفعت باشا) : نعم إن لنا من الأسباب ما
يخيفنا من الحرب؛ ولكن إذا قبلنا لائحة المؤتمر لم يبق ريب في انقلاب السلطنة،
فالحرب كداء الحمى يمكن لنا أن نتخلص من رزئه؛ ولكن لائحة المؤتمر كداء
الرئة عاقبته القبر لا محالة، فغاية ما يلزمنا فعله هو أن نلبس الصوف ونوقد
الشمع الأحمر ونغالب العدو.
فقال مدحت باشا: إن قوائمنا (أوراق) المالية في بخس، ويحتمل أنها تزيد
بخسًا، وقد عهد أنه أتى على فرنسا زمان بلغت فيه قيمة الحذاء إلى 27000 فرنك
(سبعة وعشرين ألفًا) فمن ذا الذي يدري ما يصيبنا إذا أقدمنا على الحرب،
فيحتمل أنه بعد مدة قصيرة يعوزنا القوت، فتتمنى الناس أن نكون قد قبلنا
اقتراحات المؤتمر.
فقال محمد رشدي باشا (الصدر الأسبق) : إن ما قاله جناب الصدر الأعظم
صحيح، إلا أن قبول اقتراحات المؤتمر يحرم سلطنتنا السنية من الاستقلال،
والحرمان من الاستقلال يشبه الاضمحلال.
فقال شيخ الإسلام: إني على رأي الصدر الأعظم؛ ولكني أرى أن رفض
الاقتراحات أولى. فقال شيخ الإسلام السابق: إن الواجب علينا واضح جلي، وهو
رفض هذه الاقتراحات؛ لأنها تسلب منا الاستقلال.
فقال عابدين بك (مدير البورس) : إن أربعين مليونًا من العثمانيين يختارون
الحرب على ضياع حقوقهم وشرفهم، فَأْمرونا بالقتال فإنا مطيعون.
فقال الصدر: إن كنت قد اطلعت على أفكار أهل المجلس أيقنت بأنهم يرون
أن قبول اقتراحات المؤتمر يحرم الدولة العلية من الاستقلال. فأجاب سائر الأعضاء
بقولهم (نعم نعم) هذا رأيهم. ثم قال عدة من العلماء: هل تداخلنا نحن في حقوق
دول أوروبا الذين لهم رعايا من المسلمين، فكيف يمكننا أن نسمح لهم بأن يتداخلوا في
مصالح دولتنا؟ فقال مدحت باشا: يبعد عن التصور أننا إذا رفضنا هذه الاقتراحات
يكون ذلك باعثًا على حرب عمومية، ولكن ينبغي لنا أن نعلم أن الأفكار العمومية في
أوربا كلها ضدنا، والأفكار العمومية هي أقوى شيء في أيامنا هذه كما لا يخفى. فقال
جميل باشا: إذا حامينا عن شرفنا فإن الأفكار العمومية تميل إلينا. فقال عابدين بك:
إننا نفتخر بأن نفكر بأن جوابنا السلبي يوجب سفر ستة سفراء من الآستانة في آن
واحد، فهو يذكرنا فخر الملة العثمانية ومجدها، فقد عزمنا على أن نجاوب هؤلاء
السفر جوابًا واحدًا. ثم قال البعض: نعم إن تهييج الأفكار العمومية مما يُتأسف منه؛
ولكن ماذا نفعل بعدما أخبرنا الدول بالصدق عن مقاصدنا، وحقيقة شأننا في هذه المدة
الأخيرة الطويلة فرفضوا رأينا وعولوا على رأيهم، فإذا توكلنا على الله تعالى وحامينا
عن شرفنا واستقلاليتنا، فلنا أمل في أن أفكار عموم الناس في نهاية الأمر تكون معنا
لا علينا، وخصوصًا أن القانون الأساسي الجديد قد شمل غير المسلمين من رعية
دولتنا بالحقوق التي شمل بها المسلمين سواء. فقال صوا باشا: إذا كان سفر سفراء
الدول الست في آن واحد من شأنه أن يهيج علينا الأفكار العمومية يلزم أن لا يبرح من
بالنا أن هذه الوسيلة هي الوسيلة الوحيدة لصون شرف السلطنة العثمانية، وكل
العثمانيين يعنيهم هذا الأمر، ويهمهم، فإن اخترنا الموت على إهانة شرفنا، فالأفكار
العمومية في أوربا تثني على اختيارنا، ولا شك أن الأفكار العمومية في أوربا أقوى
من دولها.
فقال مدحت باشا: لا ريب في أن شرف الأهالي منوط بشرف الدولة،
فالدولة العلية إن لم تعرف كيف تحافظ على استقلاليتها فلا تستحق أن تسمى مملكة.
فقال ياور باشا (ناظر البوسطة والتلغراف) : لو فرض أن تلك المطالب اقترحت
على شخص لكان يرفضها لا محالة، فكيف لا ترفضها مملكة.
ثم ألقى وكيل بطرك الأرمن الكاثوليك مقالة طويلة في عدم لزوم قبول
اقتراحات المؤتمر، ثم قال حاخام الإسرائيليين: إن أبناء ملتي عازمون على أن
يبذلوا أرواحهم للمحافظة على استقلال السلطنة العثمانية. (سرور من الحاضرين
عمومًا) ، ثم قال يانقوسكياديس أفندي - أحد أعضاء شورى الدولة وهو من طائفة
الأروام -: كلنا نفتخر بأن نكون من رعية سلطان شمل قومه بقانون أساسي، كالذي
أنعم علينا به مولانا السلطان المعظم، وإنا مستعدون لأن نموت محافظة على هذا
القانون وبحب وطننا [1] . ثم قال الصدر الأعظم (إذ ذاك مدحت باشا) : المملكة
التي تنعم على رعاياها بالحرية والاستقلالية جديرة بأن تطلب لنفسها أيضًا الحرية
والاستقلالية. ثم قال محمد رشدي باشا: إن القانون الأساسي وإن كان قد نُشر
أخيرًا إلا أن مولانا السلطان المعظم وعد بامتيازات عظيمة في الخط الهمايوني الذي
أصدره يوم جلوسه على سرير السلطنة السنية، وكان صدوره قبل عقد المؤتمر
فالفضل في إصدار هذا القانون عائد إلى مولانا السلطان، وليس هو من تشدد
المؤتمر على مولانا [2] .
ثم قال وكيل بطرك الروم الأرثوذكسيين: إنني أستحسن ما قاله صوا باشا
بالنيابة عن أبناء ملتي. ثم قال وكيل البروتستانط: إن القانون الأساسي شمل سائر
الرعايا بحقوق واحدة، فكلنا عثمانيون، وكلنا نكره تداخل الأجانب، وقد صدق
الصدر الأعظم في قوله: إن هذه المسألة خطيرة لا يلزم إنهاؤها على عجل، فيُحتمل
أنه يوجد سبيل لإصلاحها بدون قتال، والظاهر أن الأولى أن نترك لمجلس الوكلاء
أن ينهي هذه المسألة لصون شرفنا بأنفسنا. (ضحك في المجلس) ، ثم صرخ أحد
الحاضرين قائلاً: نعم إنا نحافظ على شرفنا بأنفسنا، فقد مضت تلك الأيام التي كنا
نوكِّل فيها وكلاءنا - أي: الوزراء - بأن يحافظوا على شرفنا. ثم قال حالت باشا -
ناظر التجارة إذ ذاك -: أنا أيضًا مستعد لأن أحافظ على شرفنا؛ ولكن مرادي
أن لا يقترن ذلك بسفك دم، فينبغي لنا أن نسعى في إصلاح هذه المسألة بدون
حرب، فالأولى عدم الإعلان بالحرب بالمرة. وعند ذلك حصلت ضجة في
المجلس، فصرخ السامعون قائلين: (غير ممكن غير ممكن لا بد من الحرب) ،
ثم قال وكيل بطرك الأرمن: غير واجب على الأرمن أن يصرخوا بمتابعة بقية
الرعايا العثمانية في جميع مقاصدهم؛ فإن البطرك الآن منحرف المزاج؛ لكنه
أرسلني لأقول: إن الأرمن كانوا دائمًا صادقين في طاعة الدولة العلية في الأيام
السالفة، فهم عازمون على أن يبقوا كما كانوا وهم يَدْعُون الآن بقية أبناء الوطن
لأن يتحدوا معهم للمحاماة عن شرف السلطنة واستقلاليتها. (أظهر المجلس سرورهم
من هذا المقال) .
ثم قال الصدر الأعظم: هل لي أن أفهم مما ذكرتموه أنكم رفضتم مطالب
المؤتمر، وهي تشكيل لجنة مختلطة كيفما كان تشكيلها؟ (صراخ من أهل المجلس:
نعم نعم) قال: وترفضون الاقتراحات المعتدلة التي عرضها السفراء؟ وهل
تنبذون بدون شرط سائر المطالب المختلفة التي عرضها علينا المؤتمر؟ وهل أنتم
عازمون وجازمون بهذا الرفض، وإن كان رفضكم هذا كما لا يخفى عليكم يوجب
سفر السفراء من الآستانة؟ فقال أهل المجلس: (نعم نعم قد رفضناها) ، ثم قال:
(من كان يخالفنا في هذا الرأي فليقم عن كرسيه؟) فلم يقم أحد، ثم قال إبراهيم
باشا: لا يوجد أحد على غير هذا الرأي سواء كان في هذا المجلس أو في خارجه.
ثم قال فائق باشا: (دلاسد طلياني الأصل) : أنا على رأي المجلس، ولكن لا
بأس في أن أذكركم أن رفض مطلبين من مطالب المؤتمر يكون سببًا في سفك الدماء،
أما إذا قبلنا فإنا نكون في السلم، (فحصل ضجة في المجلس) .
ثم قال الصدر الأعظم: إذا أردنا المصالحة والاتفاق مع مرخصي المؤتمر؛
فإن ذلك من شأنه أن يقذف بنا في مهواة، والله أعلم أن يقذف بنا، فالظاهر أن
الحرب أولى، ومع هذا فإني أدعوكم لأن تترووا في قبول بقية مطالب المؤتمر،
أما المطلبان الأخيران فالأرجح رفضهما، فقال سيدنا شيخ الإسلام: (إن لائحة
المؤتمر كلها خطر على بلادنا فعلينا الآن أن نرفض المطلبين الأهمين) .
ثم بعد مذاكرة قصيرة في عرض القانون الأساسي على الدول قال محمود
باشا الداماد: علينا أن نرفض المطلبين الأهمين من مطالب المؤتمر، فإذا كانت
الدول بعد ذلك تريد أن تعرض علينا سائر المطالب على صورة أخرى أمكننا أن
نجتمع مرة أخرى في هذا المجلس، ثم خُتمت الجلسة بعد أن استقر الرأي على
رفض اقتراحات المؤتمر بأسرها) اهـ.
هذه هي مداولات (المجلس الأمي) الذي اجتمع قبل مجلس المبعوثان للنظر
فيما يتعلق بشأن لائحة المؤتمر والحرب التي تتوقع من رفضها، وقد ذهب مصباح
الشرق الأغر إلى أن مدحت باشا هو الذي كان مصممًا على رفض مطالب الدول
التي يرى المصباح أن الصواب في قبولها، وأنه هو الذي أوحى إلى أهل المجلس
وجوب رفضها، وقد رأيت أن مدحت باشا كان أصوب أهل المجلس رأيًا، وأشدهم
حذرًا، وأبعدهم في العواقب خطرًا، ويليه في الحذر حالت باشا، ثم وكيل دولة
البروتستانت، وأنه لم يجنح أحد إلى قبول سيطرة الدول على الدولة العلية
ومراقبتهم أحكامها التي تتضمنها المطالب، إلا ذلك الطلياني المسمى فائق باشا،
وأن سائر أهل المجلس كانوا متفقين على تفضيل الحرب على قبول مطالب الدول،
فإذا كانوا يعتقدون أن الصواب في قبول ذلك، وأنه هو الذي ينجي الدولة ويرضي
السلطان، فهل يتصور أن جميع أولئك الوزراء والعلماء والوجهاء ورؤساء الأديان
وهم خاصة المملكة قدموا طاعة هوى مدحت باشا على استقلال عقولهم وأفكارهم،
وعلى مرضاة الهمم وموافقة سلطانهم ونجاة أوطانهم؟ إن كان هذا صحيحًا فهو دليل
على أنه لم يكن في الدولة إلا رجل واحد شرير هو مدحت باشا، وكل من عداه فهو
عدم، وأن أمة هذا شأنها وهؤلاء رؤساؤها وقادتها لا يمكن أن تستقل مع عدم
مراقبة أعدائها وسيطرتهم عليها، فكيف إذا كانت تحت مراقبتهم! ! !