للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


المحاورة الحادية عشرة بين المصلح والمقلد

الأخذ بالدليل ونهي الأئمة عن التقليد
لما ضم الشاب المصلح والشيخ المقلد المجلس الحادي عشر قال الشيخ
المقلد: إن صديقي قد سافر وهو في حيرة لا يدري كيف يجمع بين ما أوردته من
نصوص أئمة الحنفية الصريحة في وجوب اتباع الدليل وعدم الأخذ بكلامهم إلا بعد
معرفة مأخذه من الكتاب والسنة والقياس الجلي، وبين ما ذكره ابن عابدين في رسم
المفتي، وفي حاشيته على الدر المختار من تقسيم العلماء إلى ست طبقات، كل طبقة
تقلد ما فوقها إلى المجتهد المطلق الذي له الحق وحده بأخذ الحكم من الدليل، وقال:
إننا نرى في الكتب أقوالاً مثل هذه الأقوال الدالة على وجوب اتباع الدليل فنحسبها
متروكة لأنا مقيدون بكتب مخصوصة، وأقوال علماء مخصوصين، وحجر علينا
الأخذ بقول غيرهم فضلاً عن اتباع الدليل استقلالاً حتى قالوا: إن أبحاث الكمال بن
الهمام الذي شهد له كثيرون ببلوغ مرتبة الاجتهاد المطلق، لا يجوز العمل بها إذا
صادمت المنقول من نصوص المذهب، وإن كانت أبحاثه مدللة وتلك النصوص لا
دليل عليها، بل هي مصادمة للدليل.
المصلح: أعجب من هذا القول التصريح بعدم جواز العمل بنصوص الكتاب
والسنة - وإن كانت صريحة - إذا هي خالفت نص علماء المذهب الذي لا دليل
عليه، ولكن نيِّر البصيرة لا يحار وإن كان مقلدًا؛ لأنهم إنما أوجبوا عليه تقليد
مجتهد، والذين قالوا هذه الأقوال مقلدون، والأئمة منهم براء منها، فمن عمل بهذه
القواعد في مسائل نطق الكتاب أو مضت السنة فيها بخلاف المنقول في المذهب، فقد
ترك أصل دينه الأصيل وركنه الركين لقول مقلد يتبرأ منه يوم القيامة؛ لأنه يحرم
تقليد المقلد ويصدق عليه قوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا
العَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ} (البقرة: ١٦٦) .
المقلد: قال صديقي إنه لا حجة لهم في هذا المقام إلا احتمال النسخ وقد
أعجبه قولك إن هذا الاحتمال يأتي في أقوال الأئمة والفقهاء؛ فإن الأقوال التي
رجعوا عنها أكثر من الأحاديث المنسوخة، وإن معرفة المنسوخ أيسر من معرفة
القول المتروك.
المصلح: الأحاديث التي قالوا بنسخها قليلة جدًّا وحصرها بعضهم في واحد
وعشرين حديثًا، وقد رأيت في كتاب نقلاً عن حاشية الهداية لابن العز في مسألة
المحتجم التي ذكرناها في المجلس الماضي أن أبا حنيفة وصاحبه محمدًا يعذران من
أخذ فيها بالحديث المنسوخ (أفطر الحاجم والمحجوم) خلافًا لأبي يوسف، وإنني
أحب أن أذكره لك، ذكر عند قول أبي يوسف بلزوم الكفارة وتعليله بقوله: (فإن
على العامي الاقتداء بالفقهاء لعدم الاهتداء في حقه إلى معرفة الأحاديث) ما نصه:
(في تعليله نظر، فإن المسألة إذا كانت مسألة نزاع بين العلماء، وقد بلغ
العامي الحديث الذي احتج به أحد الفريقين كيف يقال في هذا أنه غير معذور؟ فإن
قيل هو منسوخ فقد تقدم أن المنسوخ ما يعارضه، ومن سمع الحديث فعمل به وهو
منسوخ فهو معذور إلى أن يبلغه الناسخ، ولا يقال لمن سمع الحديث الصحيح لا
تعمل به حتى تعرضه على رأي فلان أو فلان؛ وإنما يقال له انظر هل هو منسوخ
أم لا؟ أما إذا كان الحديث قد اختلف في نسخه كما في هذه المسألة فالعامل به في
غاية العذر؛ فإن تطرق الاحتمال إلى خطأ المفتي أولى من تطرق الاحتمال إلى
نسخ ما سمعه من الحديث) ثم ذكر قلة المنسوخ وجمع ابن الجوزي كل ما صح أو
احتمل نسخ، فإذا هو لا يتجاوز أحد وعشرين حديثًا ثم قال: (فإذا كان العامي
يسوغ له الأخذ بقول المفتي، بل يجب عليه مع احتمال خطأ المفتي فكيف لا يسوغ
له الأخذ بالحديث، فلو كانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز العمل
بها بعد صحتها حتى يعمل بها فلان وفلان لكان قولهم شرطًا في العمل، وهذا من
أبطل الباطل ولذا أقام الله تعالى الحجة برسوله صلى الله تعالى عليه وسلم دون آحاد
الأمة، ولا يفرض احتمال خطأ لمن عمل بالحديث وأفتى به بعد فهمه إلا وأضعاف
أضعافه حاصل لمن أفتى بتقليد من لا يعلم خطأه من صوابه ويجوز عليه التناقض
والاختلاف، ويقول القول ويرجع عنه ويحكي عنه عدة أقوال، وهذا كله فيمن له
نوع أهلية، وأما إذا لم يكن له ففرضه ما قال الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن
كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (النحل: ٤٣) وإذا جاز اعتماد المستفتي على ما يكتب له
المفتي من كلامه أو كلام شيخه وإن علا فلأن يجوز اعتماد الرجل على ما كتبه
الثقات من كلام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أولى بالجواز، وإذا قدّر له
أنه لم يفهم الحديث فكما لم يفهم فتوى المفتي فيسأل من يعرف معناها فكذلك الحديث)
اهـ.
المقلد: هذا الكلام موافق لما قلته لي من قبل إلا الاستدلال بالآية على التقليد
فقد منعته أنت.
المصلح: هذا كلام حسن جدًّا، وإني وإن كنت بينت أن الآية لا تدل على
جواز التقليد؛ لأنها في سياق آخر فإني لم أمنع الاهتداء بالعلماء والاستعانة بهم
على فهم الدين، وقد قلت غير مرة إن الأئمة رضي الله تعالى عنهم لم يستنبطوا
الأحكام ليصرفوا الناس إليهم عن كتاب ربهم وسنة نبيهم؛ وإنما استنبطوها
ليعلموهم كيف يفهمون وكيف يستنبطون؛ ولذلك حرَّموا الأخذ بقولهم من غير
معرفة دليله لئلا يفتتن الناس بهم ويتخذوهم شارعين، ولم ينسب لأحد منهم شذوذ
في ذلك إلا تلك الكلمة لأبي يوسف، وقد أوَّلها بعضهم كما تقدم وأبطل دليلها بعض
آخر كما سمعت آنفًا، على أن ابن العز هذا قد نقل عن أبي يوسف مثلما نقل عن
أبي حنيفة أنه قال: (لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه) .
أورد هذا عنه صاحب كتاب (إيقاظ همم أولي الأبصار) ثم أورد عبارة
أخرى فيها تشديد عظيم، وهي قوله بعد ذكر جواز ترك بعض المسائل في مذهب
لرؤية أن دليل المذهب الآخر أقوى:
(فمن يتعصب لواحد معين غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرى أن
قوله هو الصواب الذي يجب اتباعه دون الأئمة الآخرين فهو ضال جاهل، بل قد
يكون كافرًا يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتل فإنه متى اعتقد أنه يجب على الناس اتباع
أحد بعينه من هؤلاء الأئمة رضي الله تعالى عنهم فقد جعله بمنزلة النبي صلى الله
عليه وسلم وذلك كفر، بل غاية ما يقال إنه يسوغ أو يجب على العامي أن يقلد
واحدًا من الأئمة من غير تعيين زيد ولا عمرو، أما من كان محبًّا للأئمة مواليًا لهم
يقلد كل واحد منهم فيما يظهر له أنه موافق للسنة فهو محسن في ذلك، والصحابة
والأئمة بعدهم كانوا مؤتلفين متفقين وإن تنازعوا في بعض فروع الشريعة،
فإجماعهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة، ومن تعصب لواحد بعينه من الأئمة
دون التابعين فهو بمنزلة من يتعصب لواحد من الصحابة دون الباقين كالرافضي
والناصبي والخارجي، فهذه طرق أهل البدع والأهواء) ... إلخ، وفيه ذكر أن
التعصب للمذاهب كان من أسباب دخول الإفرنج إلى بعض بلاد المغرب الإسلامية
وامتلاكها يعني الأندلس ومن أسباب زحف التتار على بلاد المشرق وتدويخ
المسلمين فيها وقد ذكرنا هذا من قبل.
وأعجبني قوله: (يقلد كل واحد منهم فيما يظهر له أنه موافق للسنة فهو
محسن) وإن كنت أسمي هذا استرشادًا وتعلمًا لا تقليدًا إذ التسمية لا مُشَاحَّةَ فيها؛
لأن هذا القول موافق لقوله عز وجل: {فَبِشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ
فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} (الزمر: ١٧-
١٨) ومفهوم الآية أن المقلد الأعمى الذي لا يميز بين الأقوال ولا يعرف من أين
جاءت ليس ممن هداهم الله، ولا من أولي العقول {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ
أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (النور: ٦٣) وقد أصيب
المسلمون لهذه المخالفة بفتن كثيرة وأنواع من العذاب ولا تزال الفتن تعبث بهم
والأجانب تستولي عليهم، وأكثرهم غافلون عن أسبابها وعللها ولا حول ولا قوة إلا
بالله العلي العظيم.
المقلد: هل تذكر شيئًا في النهي عن التقليد للإمام مالك بن أنس رضي الله
عنه.
المصلح: نعم روى حافظ المغرب ابن عبد البر عن عبد الله بن محمد ابن
عبد المؤمن قال: حدثني أبو عبد الله محمد بن أحمد القاضي المالكي حدثنا موسى
ابن إسحاق قال حدثنا إبراهيم بن المنذر قال أخبرنا معن بن عيسى قال سمعت مالك
ابن أنس يقول: (إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق
الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه) ورواه غيره أيضًا،
وروى أيضًا بسنده إلى مطرف قال: سمعت مالكًا يقول: قال لي ابن هرمز: لا
تمسك على شيء مما سمعته مني من هذا الرأي؛ فإنما افتجرته أنا وربيعة فلا
تتمسك به.
المقلد: ما معنى افتجرته فإنني لا أذكر أنني سمعت هذه الكلمة.
المصلح: يقال افتجر الكلام بالجيم إذا اخترقه من نفسه ولم يسمعه، ويتعلمه
من أحد، ويقال: افتحر الكلام والرأي بالحاء المهملة إذا اخترعه ولم يتابعه عليه
أحد، وأجدر بالمفتجر أن يكون مفتحرًا.
المقلد: إن هذا من محاسن لغتنا؛ ولكنه غير مستعمل.
المصلح: إن شأننا في اللغة شبيه بشأننا في الدين، ولات حين كلام في ذلك
فلنمض في طريقنا إلى غايتنا.
وروي عن مزين وعن عيسى عن ابن القاسم عن مالك رحمه الله تعالى أنه
قال: ليس كل ما قال رجل قولاً - وإن كان له فضل - يتبع عليه، يقول الله:
{الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} (الزمر: ١٨) وروى سحنون عن ابن
وهب قال قال له مالك بن أنس وهو ينكر كثرة المسائل: يا عبد الله ما علمته فقل
به ودل عليه، وما لم تعلم فاسكت عنه وإياك أن تقلد الناس قلادة سوء، وجاءه
رجل فسأله عن مسألة فقال له قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، فقال
الرجل أرأيت.. . فقال مالك {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} (النور: ٦٣)
الآية، وقال لم يكن من فتيا الناس أن يقال لهم: قلت هذا، كانوا يكتفون بالرواية
ويرضون بها.
وهنا التفت المصلح إلى المقلد وقال: ألم أقل لك من قبل: إن عامة أهل العصر
الأول لم يكونوا مقلدين يأخذون بآراء العلماء؛ وإنما كانوا يأخذون بروايتهم؟ ثم قال:
وروي عن عبد الله بن مسلمة القعنبي قال: (دخلت على مالك أنا ورجل آخر
فوجدناه يبكي، فسلمت عليه فردَّ عليَّ، ثم سكت عني يبكي فقلت له يا أبا عبد الله
ما الذي يبكيك؟ فقال لي: يا ابن قَعْنب أبكي لله على ما فرَّط مني ليتني جُلدت بكل
كلمة تكلمت بها في هذا الأمر بسوط، ولم يكن فرط مني ما فرط من هذا الرأي
وهذه المسائل، وقد كان لي سعة فيما سبقت إليه. وفي رواية أخرى: فقلنا له:
ارجع عن ذلك، فقال: كيف لي بذلك وقد سارت به الركبان وأنا على ما ترى، فلم
نخرج من عنده حتى أغمضناه) أي فكان هذا ما لقي الله تعالى عليه، ومن المشهور
عنه رضي الله عنه: كل أحد يؤخذ من كلامه ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر،
ويشير إلى الروضة الشريفة، وفي رواية: كل كلام منه مقبول ومردود إلا كلام
صاحب هذا القبر، وسنأتي في المجلس الآخر - إن شاء الله تعالى - عن غير ذلك
مما يؤثر عنه، وعن أكابر أتباعه ثم ما يؤثر عن غيرهم من الأئمة وأكابر العلماء
حتى يتبين لكم أنكم ما قلدتم إلا من تجزمون بعدم جواز تقليده، والله الموفق
للصواب، ثم افترقا على موعد.
((يتبع بمقال تالٍ))