فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


المحاورة الثانية عشرة بين المصلح والمقلد

نهي الإمام الشافعي وأصحابه عن التقليد
لما ضم الشاب المصلح والشيخ المقلد المجلس (12) ابتدأ الثاني فقال:
المقلد: قد قلت لي مرة إنك مطَّلع على نُقُول كثيرة عن الشافعي وأتباعه، فأرجو أن
تكتفي بالمهم منها.
المصلح: نعم إن ما ورد عن الإمام الشافعي والأئمة المنتسبين إليه في العلم
والاجتهاد في اتباع الدليل، وعدم جواز الأخذ بقول أحد من غير معرفة دليله - كثير
جدًّا، فمنه ما في كتاب (الأم) وهو موجود بين أيديكم في دار الكتب الخديوية
وهو قول الإمام بمناسبة كلام: (وهذا يدل على أنه ليس لأحد دون رسول الله
صلى الله عليه وسلم أن يقول إلا بالاستدلال) وروى الحافظ البيهقي بسنده إلى
الربيع بن سليمان قال سمعت الشافعي وقد سأله رجل عن مسألة فقال: يُروى عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كذا وكذا، فقال له السائل: يا أبا عبد الله أتقول
بهذا؟ فارتعد الشافعي واصفر وحال لونه وقال: ويحك! وأي أرض تقلني وأي سماء
تظلني إذا رويت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شيئًا، ولم أقل نعم على
الرأس والعين.
(قال المصلح) فهذا السؤال ومثله كثير يدلنا على شدة استعداد الناس لتقليد من
يشتهر من العلماء إلى حد أن يتركوا قول الرسول المعصوم لأقوالهم والأئمة رضي الله
تعالى عنهم كانوا يصدون الناس عن ذلك، ويفتحون لهم باجتهادهم أبواب البحث؛
ولكن الغلبة للاستعداد العام على قول كل عالم وإمام.
وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول: (ما من أحد إلا وتذهب عليه سُنة
لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وتعزب عنه، فمهما قلت من قول وأصَّلت
من أصل فيه عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خلاف ما قلت، فالقول ما
قاله رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو قولي) وجعل يردد هذا الكلام،
وروى البيهقي أيضًا بسنده إلى الربيع قال: سمعت الشافعي يقول: (إذا وجدتم في
كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله صلى الله
تعالى عليه وسلم ودعوا ما قلت) فهذا مذهبه في اتباع السنة. وبه إليه قال: (إذا
كان الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا مخالف له عنه، وكان يروى
عمن دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث يوافقه لم يزده قوة، وحديث
رسول الله صلى الله عليه وسلم مستغن بنفسه وأن كان يروى عمن دون رسول الله
صلى الله عليه وسلم حديث يخالفه لم يلتفت إلى ما خالفه) .. . إلخ.
وقال الشافعي أيضًا: (أجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله
صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد (وصح عنه أيضًا قال:) لا
قول لأحد مع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. كل هذا من رواية البيهقي في
المدخل، وفي أعلام الموقعين لابن القيم نحوه، ومن أحسن تلك الروايات قول
أحمد بن عيسى بن ماهان الرازي: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول:
(كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أهل النقل
بخلاف ما قلت فأنا راجع إليها في حياتي وبعد مماتي) .
المقلد: حسبي هذا عن الإمام نفسه، وأحب أن أسمع شيئًا عن أصحابه
وأتباعه.
المصلح: روي عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: كان أحسن أمر
الشافعي عندي أنه كان إذا سمع الخبر لم يكن عنده قال به وترك قوله، وقال أيضًا:
قال لنا الشافعي (إذا صح عندكم الحديث فقولوا لي كي أذهب إليه) والإمام أحمد
من أصحاب الشافعي أي أنه جرى على طريقته في الاجتهاد وإن استقل بمذهب.
وقال الحافظ ابن حجر في (توالي التأسيس في معالي ابن إدريس) : قد
اشتهر عن الشافعي (إذا صح الحديث فهو مذهبي) قرأت بخط تقي الدين السبكي
في مصنف له في هذه المسألة ما ملخصه: إذا وجد الشافعي حديثًا صحيحًا يخالفه
مذهبه إن كملت فيه آلة الاجتهاد في تلك المسألة فليعمل بالحديث بشرط أن لا يكون
الإمام اطَّلع عليه وأجاب عليه، وإن لم يكمل ووجد إمامًا من أصحاب المذاهب
عمل به، فله أن يقلده فيه، وإن لم يجد وكانت المسألة حيث لا إجماع، قال السبكي:
فالعمل بالحديث أولى اهـ.
ونحن نقول: إن العمل بالحديث متعين حيث لا إجماع ولا حديث يعارضه مما
يرجح عليه.
وقال ابن القيم في قول الشافعي (إذا صح الحديث فهو مذهبي) هذا صريح
في مدلوله، وإن مذهبه ما دل عليه الحديث لا قول له غيره، ولا يجوز أن ينسب
إليه ما خالف الحديث، فيقال: هذا مذهب الشافعي ولا يحل الإفتاء بما يخالف
الحديث على أنه مذهب الشافعي ولا الحكم به، صرح بذلك جماعة من أئمة أتباعه
حتى كان منهم من يقول للقارئ إذا قرأ عليه مسألة من كلامه قد صح الحديث
بخلافها: اضرب هذه المسألة فليست مذهبه، وهذا هو الصواب قطعًا لو لم ينص
عليه، فكيف إذا نص عليه وأبدى فيه وأعاد، وصرح به بألفاظ كلها صريحة في
مدلولها، فنحن نشهد بالله أن مذهبه وقوله الذي لا قول له سواه ما وافق الحديث
دون ما خالفه، ومن نسب إليه خلافه فقد نسب إليه خلاف مذهبه، ولا سيما إذا
ذكر هو ذلك الحديث، وأخبر أنه إنما خالفه لضعف في سنده أو لعدم بلوغه له من
وجه يثق به، ثم ظهر للحديث سند صحيح لا مطعن فيه وصححه أئمة الحديث من
وجوه لم تبلغه، فهذا لا يشك عالم ولا يماري أنه مذهبه قطعًا، وهذا كمسألة
الجوائح [1] ... إلخ.
المقلد: قد تقدم مثل هذا عن أصحاب أبي حنيفة أيضًا، ولك الحق في لوم
العلماء على عدم العمل بهذا الإرشاد، وعلى إهمال العمل بالحديث وقراءته للتبرك
فقط؛ ولكنني أعجب كيف اتفق الأكثرون على هذا.
المصلح: قد عجب من هذا كل عالم منصف حتى من يقول بالتقليد، قال
العز بن عبد السلام الذي كان يلقَّب بسلطان العلماء: (ومن العجب العجيب أن
الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مذهب إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعًا،
وهو مع ذلك يقلده فيه، ويترك من شهد الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة لمذهبه؛
جمودًا على تقليد إمامه، بل يتحيل لدفع ظواهر الكتاب والسنة، ويتأولها
بالتأويلات البعيدة الباطلة نضالاً عن مقلده، وقد رأيناهم يجتمعون في المجالس فإذا
ذُكر لأحدهم خلاف ما وطَّن نفسه عليه تعجب منه غاية التعجب من غير استرواح
إلى دليل لما ألفه من تقليد إمامه؛ حتى ظن أن الحق منحصر في مذهب إمامه،
ولو تدبره لكان تعجبه من مذهب الإمام أولى من تعجبه من مذهب غيره، والبحث
مع هؤلاء ضائع مفضٍ إلى التقاطع والتدابر من غير فائدة تجذبها، وما رأيت أحدًا
رجع عن مذهب إمامه إذا ظهر له الحق في غيره، بل يصر عليه مع علمه بضعفه
وبُعده، والأولى ترك البحث مع هؤلاء الذين عجز أحدهم عن تمشية مذهب إمامه،
قال: لعل إمامي وقف على دليل لم أقف عليه ولم أهتد إليه، ولا يعلم المسكين أن
هذا مقابل بمثله، ويفضل لخصمه ما ذكره من الدليل الواضح والبرهان اللائح،
فسبحان الله ما أكثر من أعمى التقليد بصره حتى حمله على مثل ما ذكرته، وفقنا الله
تعالى لاتباع الحق أينما كان وعلى لسان من ظهر، وأين هذا من مناظرة السلف
ومشاورتهم في الأحكام ومسارعتهم إلى اتباع الحق إذا ظهر دليل على لسان الخصم
وقد نقل عن الشافعي أنه قال: (ما ناظرت أحدًا إلا قلت اللهم أجر الحق على
قلبه ولسانه، فإن كان الحق معي اتبعني، وإن كان معه اتبعته) اهـ.
المقلد: كلام هذا الإمام معقول، ولكن تحكيم الأدلة في المذاهب يفضي إلى
تلاشيها، أو استخلاص مذهب واحد ملفق منها، ولعل هذا هو ما تريده من توحيد
المذاهب الذي سميته الوحدة الإسلامية؛ ولكن نفوس أكثر الفقهاء لا ترضى به؛
لأنهم كما قال العز بن عبد السلام جمدوا عليها جمودًا غريبًا أعمى كل متبع مذهب
عن غيره، ولا أعرف سر ذلك وحكمته، ولعل لله تعالى حكمة في حفظ الإسلام
بحفظ هذه المذاهب.
المصلح: الأسباب في جمودهم ظاهرة، وقد أوضحها الإمام الغزالي والعز
ابن عبد السلام وغيرهما من الأئمة الذين لا تأخذهم في الحق لومة لائم، فمنها
بالنسبة إلى بعضهم المباراة والمماراة وحب الظهور وما يتعلق بذلك، ومنها المنافع
والمرافق في القضاء والإفتاء والأوقاف والجرايات بالنسبة إلى آخرين، ومنها الثقة
والاطمئنان بالتربية العلمية على المذهب والاقتصار عليه في التعلم، ثم في التعليم
والإفتاء، ومن طبع الإنسان أن ما يعتاد عليه زمنًا طويلاً يملك عليه أمره، ويؤثر
في نفسه تأثيرًا يصرفها عن كل ما عداه إلا أصحاب العقول الكبيرة والنفوس العالية
الذين تكون الحقيقة ضالتهم، والصواب وجهتهم وقليل ما هم، وأما الحكمة في ذلك
فهي ما نشاهد من تفرق المسلمين شيعًا وحرجهم وجعل بأسهم بينهم شديدًا، ودينهم
واحد ينهى عن الخلاف والاختلاف كما قلنا مرارًا، ولو اجتمع العلماء في كل
عصر وحكَّموا الكتاب والسنة في كل ما استنبطه الأئمة والعلماء وأرشدوا إلى العمل
بالأرجح ما خرج بذلك أولئك الأئمة عن كونهم هداة الأمة ولصح ما يروى من أن
اختلافهم رحمة؛ لأن الحقيقة تظهر من تصادم الأفكار، والصواب يؤخذ من اختلاف
الأنظار، وبذلك يكون كل مسلم مهتديًا بكل إمام من أولئك الأئمة من غير توزيع، ولا
قول بعصمة أحد أو استقلاله بالتشريع.
المقلد: إن العز بن عبد السلام من أئمة الشافعية ويظهر من كلامه هذا أنه
كان يدَّعي الاجتهاد؛ ولكن لم يدوِّن مذهبًا، ولم يتبعه أحد.
المصلح: إنه كان شافعيًّا ثم صار مجتهدًا عن أهلية واستحقاق، وهو ممن
اتفق الناس على قوة دينه وغزارة علمه، حتى قال الإمام ابن عرفة المالكي: لا
ينعقد للمسلمين إجماع بدون عز الدين بن عبد السلام يعني في عصره؛ لأن
الإجماع إنما هو إجماع المجتهدين كما قالوه في الأصول، وما كل مجتهد يدوِّن
مذهبًا يحمل الناس على اتِّباعه، وقد قلت غير مرة أن الأئمة المشهورين لم
يستنبطوا الأحكام ليحملوا الناس على تقليدهم فيها؛ ولكن ليفتحوا لهم باب العلم،
والذين ارتقوا إلى مرتبة الاجتهاد المطلق بعد تدوين المذاهب وانتشارها أداهم
اجتهادهم إلى إرجاع الأقوال الكثيرة في كل مسألة إلى قول واحد، وهو ما كان
دليله أقوى، ولو ألَّفوا في ذلك لكان لهم مذهب يزيد به الخلاف، إذ لا يمكن أن
يأخذ به كل الناس؛ ولذلك كانوا يحاولون إقناع العلماء بذلك، ولو تسنى لهم هذا
الإقناع لجمعوا كلمة المسلمين، وهذا مطلب عزيز لا يصل إليه المسلمون إلا بعد
أن يشتغلوا بالعلم الصحيح مع استقلال الفكر أربعين سنة، ومتى نبتدئ بهذا؟
وللجلال السيوطي رسالة في ثلاث مسائل متعلقة بالاجتهاد، إحداها: هل
الاجتهاد موجود الآن أم لا؟ والثانية: هل الاجتهاد المطلق مرادف للاجتهاد
المستقل أو بينهما فرق؟ والثالثة: هل للمجتهد أن يتولى المدارس الموقوفة على
الشافعية مثلاً؟ قال (وكل من المسائل الثلاث جوابها منقول ومنصوص للعلماء،
بل ومجمع عليه لا خلاف فيه صادر من عالم؛ وإنما فيه نزاع ومكابرة من غير
العلماء الموثوق بهم) .
قال: أما المسألة الأولى فالجواب عنها من وجهين: أحدهما أن العلماء من
جميع المذاهب متفقون على أن الاجتهاد فرض من فروض الكفايات في كل عصر،
واجب على أهل كل زمان أن يقوم به بعضهم، وأنه متى قصَّر فيه أهل عصر
بحيث خلا العصر عن مجتهد أثموا كلهم وعصوا بأسرهم، وممن أشار إلى ما
ذكرناه الإمام الشافعي رضي الله عنه، ثم صاحبه المزني وصنف - أعني المزني -
كتابًا في ذلك سماه (إفساد التقليد) وممن نص على ما ذكرناه من الفرضية وتأثيم
أهل العصر بأسرهم عند خلو العصر عن مجتهد نصًّا صريحًا الماوردي في أول
كتابه (الحاوي) والروياني في أول (البحر) والقاضي حسين في تعليقه،والزبيري
في كتاب (المسكت) وابن سراقة في كتاب (الأعداد) وإمام الحرمين في باب السيف
من النهاية، والشهرستاني في (الملل والنحل) والبغوي في أول (التهذيب)
والغزالي في (البسيط والوسيط) وابن الصلاح في (آداب الفتيا) والنووي في
(شرح المهذب) وفي (شرح مسلم) والشيخ عز الدين بن عبد السلام في (مختصر
النهاية) ، وابن الرفعة في (المطلب) والزركشي في كتاب (القواعد والبحر) وذكر
ابن الصلاح أن ظاهر كلام الأصحاب أن المجتهد المطلق هو الذي يتأدى به فرض
الكفاية، وأما المجتهد المقيد فلا يتأدى به الفرض.
فهؤلاء أئمة أصحابنا نصوا صريحًا على أن الاجتهاد في كل عصر فرض
كفاية، وأن أهل العصر إذا قصروا فيه أثموا كلهم.
وممن نص على ذلك من أئمة المالكية القاضي عبد الوهاب في (المقدمات)
وابن القصار في كتابه (في أصول الفقه) ونقله عن مذهب مالك وجمهور العلماء
والقرافي في (التنقيح) وابن عبد السلام المالكي في شرح مختصر ابن الحاجب وأبو
محمد بن ستناري في (المسائل المنثورة) وابن عرفة في كتابه (المبسوط في الفقه)
وقد سقنا عبارات هؤلاء بحروفها في كتاب (الرد على من أخلد إلى الأرض)
فليراجعه من أراد الوقوف عليه.
(الوجه الثاني) : أن جمهور العلماء نصوا على أنه يستحيل عقلاً خلو
الزمان عن مجتهد إلى أن تأتي أشراط الساعة الكبرى، وأنه متى خلا الزمان عن
مجتهد تعطلت الشريعة وزال التكليف عن العباد، وسقطت الحجة وصار الأمر
كزمن الفترة، وممن نص على ذلك صريحًا الأستاذ أبو إسحق الإسفرايني
والزبيري، وإمام الحرمين في (البرهان) والغزالي في (المنخول) ونقله ابن
برهان في (الوجيز) عن طائفة من الأصولييين ورجحه ابن دقيق العيد وابن عبد
السلام من المالكية في (شرح المختصر) وجزم به القاضي عبد الوهاب في
(الملخص) وأشار إليه الشيخ أبو إسحق الشيرازي في (اللمع) وهو مذهب الحنابلة
بأسرهم نقله عنهم ابن الحاجب في مختصره، وابن الساعاتي من الحنفية في
(البديع) وابن السبكي في (جمع الجوامع) وقال ابن عرفة المالكي في كتابه في
الفقه: قد قال الفخر الرازي في (المحصول) وتبعه السراج في تحصيله والتاج
في حاصله ما نصه (ولو بقي من المجتهدين - والعياذ بالله - واحد كان قوله حجَّةً)
قال فاستعاذتهم تدل على بقاء الاجتهاد في عصرهم، قال والفخر الرازي توفي سنة
606 هذا كلام ابن عرفة.
وقد وجدت ما هو أبلغ من ذلك، فذكر التبريزي في تنقيح المحصول ما نصه:
لا يعتبر في المجمعين عدد التواتر، فلو انتهوا - والعياذ بالله - إلى ثلاثة كان
إجماعهم حجة، ولو لم يبق منهم إلا واحد كان قوله حجة؛ لأنه كل الأمة وإن كان
ينبو عنه لفظ الإجماع، وقال الزركشي في (البحر) : قال الأستاذ أبو إسحاق يجوز
أن لا يبقى في الدهر إلا مجتهد واحد، ولو اتفق فقوله حجة كالإجماع، ويجوز أن
يقال للواحد أمة، كما قال الله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً} (النحل:
120) ونقله الصفي الهندي عن الأكثرين، وبه جزم ابن شريح في كتاب (الودائع)
فقال: وحقيقة الإجماع هو القول بالحق، فإذا حصل القول بالحق من واحد فهو
إجماع، وقال إلكيا الهراسي: (اختلف هل يتصور قلة المجتهدين بحيث لا يبقى في
العصر إلا مجتهد واحد والصحيح تصوره) .
ثم أجاب عن المسألة الثانية بأن ابن الصلاح والنووي وغيرهما قالوا إن
المجتهدين أصناف، مجتهد مستقل، ومجتهد مطلق منتسب إلى إمام من الأئمة
الأربعة، ومجتهد مقيَّد، وأن الصنف الأول فُقِد من القرن الرابع، ولم يبق
الصنفان الآخران، وأجاب عن المسألة الثالثة بأن المجتهد المطلق المنتسب
والمجتهد المقيد كلاهما يستحقان ولاية وظائف الشافعية مثلاً (بلا خلاف بين
المسلمين) اهـ ملخصًا.
المقلد: أراك مطلعًا على أن أكابر العلماء حكموا بأن باب الاجتهاد المطلق
المستقل قد أُقفل من القرن الرابع، فما بالك تطلب فتحه في هذا الزمان.
المصلح: إنهم لم يقولوا بأن الباب أُقفل؛ وإنما قالوا إن المجتهد المستقل فُقِدَ
وذلك أن العلماء الذين صاروا مجتهدين قد حصَّلوا الفقه على طريق الأئمة الأربعة
إذ لم يوجد غيرها ومنها ارتقوا إلى درجة الاجتهاد المطلق، فظلوا منتسبين إلى
الأئمة الذين اشتغلوا في أول الأمر بمذاهبهم، وقد كشفت لك آنفًا عن السبب في
عدم إنشاء مذاهب جديدة لهم، ومن أراد أن يسلك سبل الاجتهاد المستقل من غير
التزام طريقة واحد من الأربعة بعينه فعل، ومن هؤلاء الإمام محمد الشوكاني
المتوفى سنة 1250 للهجرة، ومذهبه أقوى المذاهب المعروفة دليلاً، وأقوم قيلاً.
((يتبع بمقال تالٍ))