للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


طهارة الأعطار ذات الكحول
والرد على ذي فضول

بعدما انتشر الجزء الثالث عشر الذي ذكرنا فيه بحث طهارة الأعطار
الإفرنجية كتب إلينا عالم فاضل من الصعيد: أعجب العلماء والفضلاء بما كتبتموه
في مسألة الأعطار الإفرنجية؛ ولكن أكثر الناس لا يقتنعون إلا بكلام الميتين ولو
أقمت لهم سبعين دليلاً، وجئت بالله والملائكة قبيلاً، لذلك أذكركم بأن العلامة ابن
العماد الفقيه الشافعي صاحب كتاب المعفوات قد صرح بطهارة الخمر في كتابه
(رفع الإلباس عن وهم الوسواس) فلو ذكرتم نص عبارته لاطمأن لها أولئك
المقلدون ... إلخ.
وما كان يخطر في بال ذلك الفاضل أن بعض العوام الذين يقلدون كل مؤلف
ميت، وينكرون على كل حي يتطفل على موائد العلم ويلفق رسالة مخصوصة في
الرد على المنار، فقد أرسل إلينا السائل عن الأعطار الإفرنجية ورقات في ذلك
بإمضاء (مختار بن أحمد مؤيد باشا ابن نصوح باشا العظمي) تصفحناها وإن كنا
نعرف أن ملفقها ممن لا ينبغي إضاعة الوقت في شيء مما يكتبه؛ لأنه عامي مغرم
بالشهرة العلمية يجرئه على التأليف لقبه (بك) ولقب أبيه وجده (باشا) ومداهنة
المتملقين من المتعممين للأغنياء وتصحيحهم له ما يكتب؛ وإنما تصفحناها على
طولها - وهي ١٦ صفحة - لمعرفة مكانة ملفقها، ثم رفعنا من قدرها بالرد عليها
لئلا يكون علق بذهن السائل الذي أرسلت إليه شيء من أوهامها.
الرسالة مؤلفة من الفضول والتعريض المبني على سوء الظن بغير شبهة ولا
دليل، والتطويل بما ليس من الموضوع كالكلام في تحريم الخمر، وفي كون كل
مسكر محرمًا، وفي أن المسكرات مضرة، وأنه يحرم بيعها ونحو هذا مما لا نزاع
فيه، وأنى لمثل ملفقها أن يحرر محل النزاع في مسألة ويتكلم فيه، ومن العجيب
تبجحه بأنه أراد الاختصار، وأنه لو أراد الرد بالتفصيل على جواب المنار لاحتاج
إلى تأليف كتاب أكبر منه! ! وياليت هذه الورقات كانت في الرد على المنار؛ فإننا
لو حذفنا منها السؤال والجواب المنقولين من المنار والنصوص المنقولة من الكتب
في تحريم شرب الخمر وبيعه وعبارات الدعوى والتعريض وتحريف بعض الآيات
لم يبق منها صحيفة ترتقي إلى أن تكون من الشبهات على الموضوع، وإننا
نستخلص ذلك ونبين فساده لأنه مما يخطر في بال العوام أو يغتر به من يسمعه
منهم.
أما محل النزاع فهو أن جواب المنار في مسألة الأعطار الإفرنجية من وجهين
(أحدهما) اجتهادي مبني على الرجوع إلى الكتاب والسنة في مسائل الدين، وهو
أن المجيب لم يطلع فيهما على دليل يعتد به في نجاسة الخمر فضلاً عن الأعطار
التي فيها جزء كيماوي مما يوجد في الخمر (ثانيهما) تقليدي مبني على التسليم
بقول أكثر الفقهاء الذين قالوا بنجاسة الخمر، وبيان أن قولهم هذا لا يستلزم أن
يكون العطر الذي فيه جزء كيماوي من الخمرة خمرًا نجسًا مثلها، وهذا بيان
موضح بتسعة وجوه، وأما الأمور التي تتعلق بالموضوع من رسالة سعادة مختار
بك فهي مع بيان الحق فيها:
(١) زعمه أني أسأت الظن بالأئمة الأربعة (رضي الله تعالى عنهم)
وزعمت أنهم حرَّموا على الأمة شيئًا بغير برهان من الله ورسوله، وزعمه هذا
يقتضي أن كل مخالف أحدًا في رأيه أو قوله فهو مسيء للظن به، فكل عالم له قول
أو رأي مسيء للظن بجميع الأئمة والعلماء المخالفين له فيه، كلا إن الذي يتبع
الدليل يقول ما ظهر له ويعذر مخالفه ويعلم أنه لم يذهب إلى ما ذهب إليه إلا بدليل
ظهر له، وأنه معذور ومأجور وإن لم يوافق الحق ويرى أنه مكلف بما ظهر له بعد
البحث بقدر الطاقة لا بما ظهر لمخالفه.
(٢) دعواه أن الإجماع قد انعقد على نجاسة الخمر: وهو معذور على هذه
الدعوى؛ لأن بعض من ألَّف في الفقه ذكرها، وغاية ما يصل إليه علم مثله أن
يرى في كتاب شيئًا فيسلم به تسليمًا، أما الوصول إلى التحقق من الدعوى، وإلى
وجه كون الإجماع حجة فهو بعيد على مثله من العامة، وإذا سلَّمنا بذلك وبطل
الطريق الأول من جوابنا في إثبات طهارة الأعطار الإفرنجية فهل تنفعه هذه
الدعوى في إثبات أن العطر الذي يقول الكيماويون أن فيه مادة الكحول هو خمر
بالإجماع، الإجماع لا يعرف إلا بالنقل الذي لا معارضة فيه، ولا نقل في هذه
الأعطار، فتعين أن تكون مسألة اجتهادية إن كان هناك وجه للقول بنجاستها.
والتحقيق أن دعوى الإجماع غير صحيحة، وما الوصول إلى معرفة الإجماع
على قول الجمهور بإمكانه ووقوعه بالأمر السهل، قال حجة الإسلام في كتابه
(فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة) ما نصه: (ولو أنكر ما ثبت بالإجماع فهذا
فيه نظر لأن معرفة كون الإجماع حجة قاطعة فيه غموض يعرفه المحصلون لعلم
أصول الفقه، وأنكر النظام كون الإجماع حجة أصلاً، فصار كون الإجماع حجة
مختلفًا فيه) وقال في فصل آخر منه: (وأما ما يستند إلى الإجماع فدرك ذلك من
أغمض الأشياء إذ شرطه أن يجتمع أهل الحل والعقد في صعيد واحد، فيتفقوا على
أمر واحد اتفاقًا بلفظ صريح، ثم يستمروا عليه مدة عند قوم وإلى تمام انقراض
العصر عند قوم، أو يكاتبهم إمام في أقطار الأرض فيأخذ فتاويهم في زمان واحد
بحيث تتفق أقوالهم اتفاقًا صريحًا حتى يمتنع الرجوع عنه والخلاف بعده، ثم النظر
في أن من خالف بعده هل يكفر؟ لأن من الناس من قال إذا جاز في ذلك الوقت أن
يختلفوا فيحمل توافقهم على اتفاق - أي مصادفة - ولا يمتنع على واحد منهم أن
يرجع بعد ذلك وهذا غامض أيضًا) .
ولهذه الصعوبة والغموض قال بعضهم: إن الإجماع غير ممكن، وقيل إنه
ممكن ولكن لا يقع، وقيل بل وقع ولكن لا سبيل إلى العلم به، ثم اختلفوا في
الاحتجاج به بعد فرض العلم بوقوعه، واشترط القائلون بكونه حجة قطعية نقله
بالتواتر وليس هذا بيسير أيضًا، فكم من مدَّع للإجماع قد خولف وأنكر عليه،
وأقرب الطرق إلى معرفة الإجماع والتواتر نقله بالعمل، وأبعدها ما كان موضوعه
الترك، فإذا نقل الألوف عن الألوف عملاً دينيًّا فهو دليل على أنه مشروع، أما
نقل الترك بالإجماع فمتعذر لأنه أمر عدمي ومعرفة سببه إن نُقل في غاية الغموض
وقد صدق الإمام الغزالي في قوله إن العلم بالإجماع لا يحصل بمطالعة تصنيف
ولا تصنيفين، وأنى لعامي مثل مختار بك بهذا الاطلاع.
وقد قال بطهارة الخمر نفسها فقيه المدينة الإمام ربيعة الرأي شيخ الإمام مالك
كما في شرح المهذب للإمام النووي وكذلك الإمام داود، قال العلامة الفقيه أحمد ابن
العماد في كتابه (رفع الإلباس عن وهم الوسواس) [١] ما نصه: (ومنه الخمر
وهي نجسة خلافًا لربيعة شيخ مالك وداود؛ فإنهما قالا بطهارتها كالسم الذي هو
نبات الحشيش والمسكر، وحكى الغزالي وجهًا في المحترمة، ووجهًا في أن باطن
حبات العنب المستحيلة خمرًا طاهرًا، وحكى الشيخ تقي الدين رحمه الله في شرح
الموطأ طهارة - بياض في الأصل - والمحترمة هي التي اعتصرت بقصد أن تُتخذ
خلاًّ) ثم ذكر القول بأن ما اعتصره أهل الكتاب من المحترمة، أي بناء على عدم
تكليفهم بفروع الشريعة فكل خمور أهل الكتاب طاهرة على هذا الوجه.
(٣) بحثه في كون الكحول مفسدة واستدلاله بثلاثة أمور:
(الأمر الأول) كونه من المسكرات، وكون كل خمر نجسًا، ويرده (أولاً)
أن الكلام في العطر لا في الكحول، والعطر ليس شرابًا مسكرًا ووجود الكحول فيه
لا يجعله خمرًا؛ لأنه موجود في اللبن الحامض الطاهر بلا خلاف، وفي النبيذ
الحلال الطاهر في مذهب الإمام أبي حنيفة الذي ينتمي إليه المعترض، وإن لم
يعرف مذهبه، وفي غير ذلك كما ذكرنا في وجوه جواب السؤال و (ثانيًا) أن أبا
حنيفة خص الخمر بالنيء من ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد وسكن عن
الغليان، واكتفى صاحباه بالغليان والاشتداد، وما عدا الخمر من المسكرات كالباذق
والمنصف والطلا فقد اختلف الحنفية في نجاسته، هي هل مغلظة كالخمر أم مخففة
وفي ظاهر الرواية أن نجاستها خفيفة حتى يعتبر فيها الكثير الفاحش، فلو فرضنا
أن هذه الأعطار مثلها فلا يحكم ببطلان صلاة من تعطر بها، إلا إذا بلغ تضمخه
بها ربع الثوب فأكثر وهذا لا يكاد يوجد.
(الأمر الثاني) كون هذا الكحول من المواد المحرقة والعناصر القابلة
الالتهاب قال: (وما كان كذلك فتأثيره في الجسم أمر مسلَّم) ولم يذكر ما هو التأثير
المسلَّم، وظاهر السياق أن العطر الذي فيه الكحول يضر بجسم من يتطيب به إذا
أصابه وهي دعوى تكذبها التجربة، وللكحول منافع في الطب كثيرة يعرفها أهلها.
(الأمر الثالث) كون (كل ذي ذوق سليم يحكم بأفضلية أعطار البلاد
الشرقية على هذه الأعطار الإفرنجية) وفيه أن الحكم بأفضلية الأعطار الشرقية
يقتضي الحكم بفضيلة الأعطار الإفرنجية، لا بأن فيها مفسدة، ولعله لم يفهم أن
العبارة تفيد هذا المعنى لأنه حجة عليه، على أن هذه مسألة اقتصادية، وكلامنا في
حكم الطهارة والنجاسة لذاته لا لأهل الشرق خاصة؛ فإن أهل الغرب مكلَّفون
بالإسلام وفيهم الآن مسلمون.
(٤) تحريفه الوجه التاسع من وجوه جواب المنار، وهو أنه ثبت في
الكيمياء أن مادة الكحول توجد في غير هذه الأعطار من الأكل والشرب والدواء،
لاسيما المتخمر منها كالعجين واللبن الحامض، فإذا حكمنا بنجاسة ذلك كله نوقع
الأمة في الحرج المنفي بالنص، فجاء المعترض ينفي الحرج في استبدال الأعطار
الشرقية بالأعطار الإفرنجية، ونحن لم نقل أن الحرج في الاستبدال، وإن أدري
أذلك عن سوء قصد أم عن سوء فهم.
(٥) إيراده حديثًا ورد في آنية أهل الكتاب وهو (إن وجدتم غيرها فلا
تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها) واستدلاله به على أنه لا ينبغي أن
ننخدع لأواني الأعطار الإفرنجية المزخرفة، فقد نهينا عن أوانيهم، وأحسن في
كونه لم يستدل بالحديث على نجاسة أوانيهم مع أن أبا ثعلبة - رضي الله عنه -
السائل عن الأواني ذكر أنهم يأكلون الخنزير ويشربون الخمر، أما كون الحديث
إرشادًا للكمال في المعاملة والاستعمال، وغير دال على النجاسة فأدلته كثيرة،
وأعظمها حل طعامهم بنص القرآن في سورة المائدة، وهي آخر ما نزل، ومنها ما
ثبت في الصحيحين من أنه صلى الله عليه وسلم توضأ من مزادة مشركة، وأكل
من الشاة التي أهدتها إليه يهودية خيبر ومنها أنه أكل من الجبن المجلوب من بلاد
النصارى - رواه أحمد وأبو داود - وأكل من خبز الشعير والإهالة لما دعاه إليه
يهودي. رواه أحمد.
له بقية
((يتبع بمقال تالٍ))