فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الَّذين أنزلهُ بلسانهم، وهم النَّبِي والمهاجرون وَالْأَنْصَار الَّذين صِيغَة لسانهم لُغَة الْعَرَب فِي باديتها وقراها العربيّة. وَجعل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عربيّاً لِأَنَّهُ من صَرِيح الْعَرَب. وَلَو أَن قوما من الْأَعْرَاب الَّذين يسكنون الْبَادِيَة حَضَرُوا القُرَى الْعَرَبيَّة وَغَيرهَا وتَناءوْا مَعَهم فِيهَا سُمُّوا عربا وَلم يسمُّوا أعراباً. وَيُقَال: رجل عربيّ اللِّسَان إِذا كَانَ فصيحاً.

وَقَالَ اللَّيْث: يجوز أَن يُقَال: رجل عَرَبانيّ اللسانيّ. قَالَ: وَالْعرب المستعربة هم الَّذين دخلُوا فيهم بعد فاستعربوا. وَقلت أَنا: المستعربة عِنْدِي: قوم من الْعَجم دخلُوا فِي الْعَرَب فتكلموا بلسانهم وحَكَوا هَيئاتهم وَلَيْسوا بُصَرحاء فيهم.

وَقَالَ اللَّيْث: تعرّبوا مثل استعربوا.

وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو زيد الْأنْصَارِيّ. قلت: وَيكون التعرّب أَن يرجع إِلَى الْبَادِيَة بَعْدَمَا كَانَ مُقيما بالحَضَر فيلحَق بالأعراب. وَيكون التعرّب المُقام فِي الْبَادِيَة. وَمِنْه قَول الشَّاعِر:

تعرَّب آبَائِي فهلاَّ وقاهم

من الْمَوْت رَمْلاَ عالجٍ زَرُودِ

يَقُول: أَقَامَ آبَائِي بالبادية وَلم يحضروا القُرَى.

وَرُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (الثّيّب يُعْرب عَنْهَا لسانُها وَالْبكْر تُستأمَر فِي نَفسهَا) .

وَقَالَ أَبُو عبيد: هَذَا الْحَرْف جَاءَ فِي الحَدِيث: يُعْرِب، بِالتَّخْفِيفِ.

وَقَالَ الفرّاء: إِنَّمَا هُوَ يُعرِّب، بِالتَّشْدِيدِ يُقَال: عرَّبت عَن الْقَوْم إِذا تَكَلَّمت عَنْهُم واحتججت لَهُم. قلت: الْإِعْرَاب والتعريب مَعْنَاهُمَا وَاحِد، وَهُوَ الْإِبَانَة. يُقَال: أعرب عَنهُ لسانُه وعَرَّب أَي أبان وأفصح. وَيُقَال: أعرِبْ عَمَّا فِي ضميرك أَي أبِنْ. وَمن هَذَا يُقَال للرجل إِذا أفْصح فِي الْكَلَام: قد أَعْرب.

وَمِنْه قَول الْكُمَيْت:

وجدنَا لكم فِي آل حاميمَ آيَة

تأوّلها مِنّا تَقِي ومُعْرِبُ

تقِيّ: يتوقّى إِظْهَاره حِذارَ أَن يَنَالهُ مَكْرُوه من أعدائكم. ومعرب أَي مفصح بِالْحَقِّ لَا يتوقّاهم. وَالْخطاب فِي هَذَا لبني هَاشم حِين ظَهَرُوا على بني أميَّة، وَالْآيَة قَوْله جلّ وعزّ: {الصَّالِحَاتِ قُل لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِى} (الشّورى: 23) .

وأمَّا حَدِيث عمر بن الْخطاب: (مَا لكم إِذا رَأَيْتُمْ الرجل يخرق أَعْرَاض النَّاس ألاَّ تعرِّبوا عَلَيْهِ) فَلَيْسَ هَذَا من التعريب الَّذِي جَاءَ فِي خبر النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِنَّمَا هُوَ من قَوْلك: عرَّبت على الرجل قولَه إِذا قبَّحته عَلَيْهِ.

قَالَ أَبُو عبيد: وَقَالَ الْأَصْمَعِي وَأَبُو زيد الأنصاريّ فِي قَوْله: (ألاَّ تعربوا عَلَيْهِ) مَعْنَاهُ: ألاَّ تفسدوا عَلَيْهِ وَلَا تقبّحوه.

وَمِنْه قَول أَوْس بن حَجَر:

وَمثل ابْن عَثْم إِن ذُحول تُذُكّرت

وقتلى تِيَاسٍ عَن صِلاح تعرِّب

ويروى: يعرّب. يَعْنِي أَن هَؤُلَاءِ الَّذين

<<  <  ج: ص:  >  >>