للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وكل نِسْبَة وضعت فِي غير موضعهَا بعلاقة فَهِيَ مجَاز عَقْلِي، تَامَّة كَانَت أَو نَاقِصَة، سمي بِهِ لتجاوزه عَن مَكَانَهُ الْأَصْلِيّ بِحكم الْعقل، وَيُسمى أَيْضا مجَازًا فِي الْإِثْبَات، وَإِن كَانَ يَقع فِي النَّفْي، لِأَن الْمجَاز فِي النَّفْي فرع الْمجَاز فِي الْإِثْبَات أَو لِأَن النَّفْي مَا لم يَجْعَل بِمَعْنى الْإِثْبَات لَا يكون مجَازًا وَيُسمى أَيْضا إِسْنَادًا مجازيا بِاعْتِبَار أَن الْإِسْنَاد بِمَعْنى مُطلق النِّسْبَة، ويقابله الْمجَاز اللّغَوِيّ الْمُسَمّى بالمجاز فِي الْمُفْرد بِمَعْنى مَا ينْسب إِلَى الْوَضع غير الشَّرْعِيّ فَيعم الْعرفِيّ والاصطلاحي وَاخْتلفُوا فِي الْمجَاز الإسنادي فَمنهمْ من نَفَاهُ كَالْإِمَامِ أبي عَمْرو بن الْحَاجِب، فَهُوَ عِنْدهم من الْمجَازِي الإفرادي وَمِنْهُم من جعل الْمجَاز فِي الْمسند، وَهُوَ قَول ابْن الْحَاجِب، وَمِنْهُم من جعله فِي الْمسند إِلَيْهِ ويجعله من الِاسْتِعَارَة بِالْكِنَايَةِ عَمَّا يَصح الْإِسْنَاد إِلَيْهِ حَقِيقَة، والمسند هُوَ قرينَة الِاسْتِعَارَة وَهُوَ قَول السكاكي وَالَّذين أثبتوه مِنْهُم من لم يَجْعَل فِيهِ مجَازًا بِحَسب الْوَضع بل بِحَسب الْعقل حَيْثُ أسْند الْفِعْل إِلَى مَا يَقْتَضِي الْعقل عدم إِسْنَاده اليه، وَهَذَا قَول الشَّيْخ عبد القاهر وَالْإِمَام الرَّازِيّ وَجَمِيع عُلَمَاء الْبَيَان

وَمِنْهُم من قَالَ: لَا مجَاز فِي شَيْء من الْمُفْردَات، بل شبه التَّلَبُّس بِغَيْر الْفَاعِل، فَاسْتعْمل فِيهِ اللَّفْظ الْمَوْضُوع لإِفَادَة التَّلَبُّس الفاعلي، فَيكون اسْتِعَارَة تمثيلية

وَالْمجَاز قد يصير (حَقِيقَة عرفية بِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال، فَلَا يخرج بذلك عَن كَونه مجَازًا بِحَسب أَصله

وَكَذَلِكَ الْكِنَايَة قد تصير) بِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال فِي المكنى عَنهُ بِمَنْزِلَة التَّصْرِيح كَأَن اللَّفْظ مَوْضُوع بإزائه، فَلَا يُلَاحظ هُنَاكَ الْمَعْنى الْأَصْلِيّ، بل يسْتَعْمل حَيْثُ لَا يتَصَوَّر فِيهِ الْمَعْنى الْأَصْلِيّ أصلا كالاستواء على الْعَرْش، وَبسط الْيَد، إِذا استعملا فِي شَأْنه تَعَالَى، وَلَا يخرج بذلك عَن كَونه كِنَايَة فِي أَصله وَأَن يُسمى مجَازًا متفرعا على الْكِنَايَة

ومجاز الْمجَاز: هُوَ أَن يَجْعَل الْمجَاز الْمَأْخُوذ عَن الْحَقِيقَة بِمَثَابَة الْحَقِيقَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مجَاز آخر، فيتجوز الْمجَاز الأول عَن الثَّانِي لعلاقة بَينهمَا كَقَوْلِه تَعَالَى: {وَمن يكفر بِالْإِيمَان فقد حَبط عمله} فَإِن قَوْله: لَا اله إِلَّا الله مجَاز عَن تَصْدِيق الْقلب بمدلول هَذَا اللَّفْظ، والعلاقة هِيَ السَّبَبِيَّة، لِأَن تَوْحِيد اللِّسَان سَبَب عَن تَوْحِيد الْجنان، وَالتَّعْبِير بِلَا اله إِلَّا الله عَن الوحدانية مجَاز عَن التَّعْبِير بالْقَوْل عَن الْمَقُول فِيهِ، وَجعل مِنْهُ ابْن السَّيِّد قَوْله تَعَالَى: {أنزلنَا عَلَيْكُم لباسا} فَإِن الْمنزل عَلَيْهِم لَيْسَ نفس اللبَاس بل المَاء المنبت للزَّرْع الْمُتَّخذ مِنْهُ الْغَزل المنسوج مِنْهُ اللبَاس

[وَالْمجَاز لَا يكون إِلَّا مَعَ قرينَة مُعينَة دَالَّة على أَن اللَّفْظ لم يسْتَعْمل فِيمَا وضع لَهُ، وَهِي غير الْقَرِينَة الدَّالَّة على تعْيين المُرَاد صرح بِهِ الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ عَلَيْهِ الرَّحْمَة فِي " شرح الشمسية " وَصرح أَيْضا فِي " التَّلْوِيح " بِأَن كَون الْقَرِينَة مَأْخُوذَة فِي مَفْهُوم الْمجَاز رَأْي عُلَمَاء الْبَيَان رَحِمهم الله، وَأما رَأْي عُلَمَاء الْأُصُول رَحِمهم الله فِي شَرط صِحَّته واعتباره وَاسْتِعْمَال اللَّفْظ الْمجَازِي بِلَا قرينَة

<<  <   >  >>