<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

قال مالك بن أبي السمح: سألت ابن سريح عن قول الناس: فلان يصيب وفلان يخطئ وفلان يحسن وفلان يسيء، فقال: المصيب المحسن من المغنين هو الذي يشبع الألحان، ويملأ الأنفاس، ويعدّل الأوزان، ويفخّم الألفاظ، ويعرف الصواب، ويقيم الإعراب، ويستوفي النغم الطوال، ويحسن مقاطع النغم القصار، ويصيب أجناس الإيقاع، ويختلس مواضع النبرات، ويستوفي ما يشاكلها في الضرب من النقرات، فعرضت ما قال على معبدٍ، فقال: لو جاء في الغناء قرآن ما جاء إلاّ هكذا، وقال الناجم:

لها غناءٌ كالبرءِ في جسدٍ ... أضناه طول السّقام والترحِ

يعبدها الراح كلما صدحتْ ... إبريقها ساجد على القدحِ

حدّث أحمد بن يزيد عن أبيه، قال: كنا عند المنتصر بالله فغناه بنان:

يا ربّة المنزل بالفرك ... وربّة السلطان والملكِ

تحرّجي بالله من قتلنا ... لسنا من الديلم والتركِ

فضحكت، فقال: مم ضحكت، قلت تعجباً من شرف قائل هذا الشعر وشرف من لحنه وشرف مستمعه، الشعر للرشيد، والغناء لعليّة وأمير المؤمنين مستمعه، فأعجبه واستعاده.

وأنشدت في ذمّ مغنّ:

ومغنٍّ إذا تغنّى بلحنٍ ... أورثَ السامعين داءً عضالا

سامنا خلعةً فقمنا إليه ... وخلعنا على قفاه النعالا

آخر:

ومسمعٍ قوله بالكرهِ مسموع ... محجّبٌ عن بيوت الناس ممنوع

غنّى فبرّق عينيه وحرّك لح ... ييه فقلت الفتى لا شك مصروعُ

وقطع الشعر حتّى ودّ أكثرنا ... أن اللسان الذي في فيه مقطوعُ

لم يأتِ دعوة أقوام بأمرهم ... ولا مضى قطّ إلاّ وهو مصفوعُ

وقال آخر:

كنتُ في مجلس فقال مغني ... القوم كم بيننا وبين الشتاءِ

فشربتُ البساط منّي إليه ... قلتُ هذا المقدارُ وقتَ الغناءِ

وقال آخر:

غنّتْ فلم تبقَ لنا جبّةٌ ... دفيّةٌ إلاّ لبسناها

فلو ترانا لو نرى جمرةً ... من شدّةِ البرد أكلناها

فقال بعض القوم كفّي فلم ... تقبل فقمنا وتركناها

آخر:

تغنّى فلان لنا ليلةً ... وكان إلينا بغيضاً مقيتا

وقال اقترح بعض ما تشتهي ... فقلتُ اقترحت عليك السكوتا

آخر:

خارج ليس يدخل الضربَ والضر ... بُ له بالسيوف في الإيقاعِ

وقال آخر:

غناؤك والشتم عندي سواءُ ... وصمتكَ من كلّ داءٍ دواءُ

فإن شئتَ غنّ فأنتَ السقامُ ... وإن شئتَ فاسكتْ فأنتَ الشفاءُ

وقال الصنوبري يهجو زامرة سوداء:

وكأنّما المزمارُ في أشداقها ... غرمولُ عيرٍ في حياءِ أتانِ

وترى أناملها على مزمارها ... كخنافسٍ دبَّتْ على ثعبانِ

آخر:

شهدتُ أبا الفضل في مجلسٍ ... وقد نبهونا لشرب الغلسْ

فغنّى غناءً له بارداً ... فأرعدَ بعضٌ وبعضٌ نعسْ

فقال انتخب واقترح ما تشاء ... فقلتُ اقترحتُ عليكَ الخرسْ

وقال آخر:

ومغنّ إن تغنّى ... أفسدَ الندمان غمّا

أحسن الندمان حالاً ... كلّ من كانَ أصمّا

[وصف في الربيع وأزهاره]

وما يلازمه من نعت أنهاره وتغريد أطياره وصوت بلبله وهزاره.

<<  <   >  >>