للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ سَيَّالٌ هُوَ الدَّهْرُ؟ هَذَا مِمَّا تَنَازَعَ فِيهِ النَّاسُ فَأَثْبَتَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ مِنْ أَصْحَابِ أَفْلَاطُونَ كَمَا أَثْبَتُوا الْكُلِّيَّاتِ الْمُجَرَّدَةِ فِي الْخَارِجِ الَّتِي تُسَمَّى الْمُثُلَ الأفلاطونية وَالْمُثُلَ الْمُطْلَقَةَ؛ وَأَثْبَتُوا الْهَيُولَى الَّتِي هِيَ مَادَّةٌ مُجَرَّدَةٌ عَنْ الصُّوَرِ وَأَثْبَتُوا الْخَلَاءَ جَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ. وَأَمَّا جَمَاهِيرُ الْعُقَلَاءِ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ: فَيَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ وَإِنَّمَا هِيَ أُمُورٌ يُقَدِّرُهَا الذِّهْنُ وَيَفْرِضُهَا فَيَظُنُّ الغالطون أَنَّ هَذَا الثَّابِتَ فِي الْأَذْهَانِ هُوَ بِعَيْنِهِ ثَابِتٌ فِي الْخَارِجِ عَنْ الْأَذْهَانِ كَمَا ظَنُّوا مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْوُجُودِ الْمُطْلَقِ مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّ الْمُطْلَقَ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ وُجُودُهُ فِي الذِّهْنِ؛ وَلَيْسَ فِي الْخَارِجِ إلَّا شَيْءٌ مُعَيَّنٌ وَهِيَ الْأَعْيَانُ وَمَا يَقُومُ بِهَا مِنْ الصِّفَاتِ فَلَا مَكَانَ إلَّا الْجِسْمُ أَوْ مَا يَقُومُ بِهِ وَلَا زَمَانَ إلَّا مِقْدَارُ الْحَرَكَةِ وَلَا مَادَّةً مُجَرَّدَةً عَنْ الصُّوَرِ؛ بَلْ وَلَا مَادَّةً مُقْتَرِنَةً بِهَا غَيْرُ الْجِسْمِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ الْأَعْرَاضُ وَلَا صُورَةً إلَّا مَا هُوَ عَرْضٌ قَائِمٌ بِالْجِسْمِ أَوْ مَا هُوَ جِسْمٌ يَقُومُ بِهِ الْعَرْضُ وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.


(*) تَمَّ الْمَوْجُودُ الْآنَ مِنْ كِتَابِ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَيَلِيهِ كِتَابُ مُجْمَلُ اعْتِقَادِ السَّلَفِ