فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حياة الأعراب:

وحياة الأعراب حياة تكاد تكون حياة واحدة لا تغير فيها ولا تبدل، فهي على وتيرة واحدة, على تعدد القبائل وابتعاد مواضع بعضها عن بعض. ذلك لأن الظروف المخيمة عليهم، ظروف واحدة لا اختلاف فيها ولا تبدل, إلا ما كان منها بالنسبة إلى أعراب الضواحي والحواضر, فإن ظروفهم تختلف عن هؤلاء، ومجال تفكيرهم أوسع من مجال تفكير الأعراب؛ بسبب نوع المعيشة المتغير، المتصل بالأرض، وقربهم من الحضر. ولو درسنا حياة القبائل في الجاهلية, وجمعنا دراستنا من المروي عنها في الكتب, وجدنا أن بين الماضي البعيد وبين الحاضر شبهًا في نمط الحياة، وأن ما ذكرته عن قبائل الجاهلية يكاد ينطبق على حياة قبائل البادية في وقتنا هذا؛ ذلك لأن الظروف والمؤثرات بالنسبة إلى حياة الأعراب الممعنين في البادية لا تزال كما كانت عليه, ولكنها سوف لن تبقى على ما هي عليه وإلى أبد الآبدين بالطبع؛ لأن التقدم الحضاري والاكتشافات المادية، قد أخذت تغزو الأعراب وتضيق الخناق عليهم، لتغير من حالهم. فبعد أن كان البدو قوم غزو، أكرهتهم الحكومات القوية على الابتعاد عن الغزو ونبذه، حتى اضطروا إلى توديعه إلى الأبد أو كادوا وصاروا مغزوين، تغزوهم الحضارة الحديثة والآليات بما لا قبل لهم بمقاومته، لتفرق الغزو الجديد عليهم. وهم سيكونون ولا شك بمرور الوقت على شاكلة النصف الآخر من العرب, أي: إخوانهم الحضر, يوائمون أنفسهم مع التطور الجديد. وسوف يبدل هذا من حياتهم ولا شك، ومن أهم ما سيفعله فيهم، تحويل حياتهم من حياة غير مرتبطة بالأرض، إلى حياة ترتبط بها ارتباطًا وثيقًا, فتتحول البداوة عندئذ إلى حضارة, وسيشعر الأعرابي عندئذ أنه مواطن له أرض ووطن وقوم هم إخوة له يشعرون بشعوره, وأن من يعزل نفسه عن العالم، فلن يعزل بذلك إلا نفسه، ولن يضر إلا بصالحه, وأن الإنسان بغير عمل ولا إنتاج، إنسان تافه لا قيمة له، وأن العنتريات والعبية الجاهلية من جملة مؤخرات الحياة في كل الأزمنة والأوقات.

<<  <  ج: ص:  >  >>