للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قبائل وعشائر. فهم إذن أعراب من حيث التعصب والأخذ بالعصبية، واختلافهم عن الأعراب هو في استقرارهم وفي عيشهم في محيط ضيق محدود وفي خطط مثبتة مرسومة.

وفي المعنى المتقدم عن العصبية، ورد قول الشاعر:

إذا أنا لم أنصر أخي وهو ظالم ... على القوم، لم أنصر أخي حين يُظلَم

فالعصبية: أن يدعو الرجل عصبته إلى نصرته, وهي: "النصرة على ذوي القربى وأهل الأرحام، أن ينالهم ضيم أو تصيبهم هلكة"١.

وفي هذا المعنى أيضًا ورد قول الشاعر، قريط بن أنيف، حيث يقول:

قوم إذا الشرُّ أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زُرافات ووحدانا

لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا٢

فهو يهبُّ إذا سمع نداء العصبية, حاملًا سيفه أو رمحه أو أي سلاح يملكه وبغير سلاح، لينصر أخاه، لا يسأله: لِمَ؟ فليس من العصبية والأخوة القبلية أن تسأل أخاك عما وقع له، بل عليك تلبية ندائه وتقديم العون له، معتديًا كان أو معتدًى عليه.

وللعصبية صلة كبيرة بالمسئولية وبالعقوبات, فعلى درجة العصبية تقع المسئولية. فأقرب الناس إلى الجاني، يكون أول من يتناوله الأخذ بالثأر، ثم الأبعد فالأبعد. ومن هنا كان الطالبون للثأر يبدءون بالجاني أولًا، فإن فاتهم أخذوا أقرب الناس رحمًا به, فإن فاتهم أخذوا الذي يليه أو من هو في درجته وهكذا.

وكلما بعدت العصبية عن دم الأبوين، خفت حدتها، وطبيعي ألا تكون العصبية إلى القبيلة مثل العصبية إلى الأهل في الشدة؛ ولهذا فإن العصبية ترتبط بدرجة الدم والتحام النسب ارتباطًا طرديًّا. وهذا شيء طبيعي، وهو حاصل هذه الحياة.

ولا تمنع العصبية بطون القبيلة من مخاصمة بعضها بعضًا ومن التقاتل فيما بينها؛ بسبب تغلب المصالح الشخصية على عاطفة "العصبية". ومتى اصطدمت المصالح


١ اللسان "١/ ٦٠٦"، "عصب"، ابن خلدون، مقدمة "١٣٨".
٢ المرزوقي، شرح الحماسة "١/ ٢٧ وما بعدها".

<<  <  ج: ص:  >  >>