للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وفي الإسلام. وذكر أن من شعر الهجاء المرّ القاسي قول الأعشى:

تبيتون في المشتى ملاءً بطونكم

وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا١

وقوله في "الزبرقان بن بدر":

دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي٢

وقول الطرماح:

تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت طرق المكارم ضلّت٣

إلى غير ذلك من شعر، يجب أن نأخذه بحذر. وأن نعالجه دائما على أنه يمثل العواطف الشخصية والانفعالات النفسية، والتهيج الآني. وأن شعرًا من هذا القبيل لا يمكن أن يحمل محمل الصدق، وأن نقول عنه إنه يعبر عن الواقع. بل نأخذه كما سبق أن ذكرت عن شعر المديح على أنه تعبير عن نوع من أنواع الأدب في ذلك الوقت. وعلى أنه باب يجب أن يدرس من الوجهة النفسية لأنه يفيد في الوقوف على النفسية العربية والعقلية الجاهلية في ذلك الوقت.

ولم يكن الهجّاءون يراعون الصدق في كلامهم، وكيف يراعونه وهم يريدون هجو خصومهم والإساءة إليهم وإلى سمعتهم بأية طريقة ووسيلة كانت، حتى وإن علموا أن سامعي الهجاء لا يصدقونه. ومن هذا القبيل رمي بعض القبائل أو الأُسر بأنها من أصل أعجمي، وفي كتب الأخبار أمثلة عديدة على ذلك، وقد يكون ذلك بسبب وجود دم أعجمي من أم أو من أب بعيد أو قريب، وقد لا يكون أي أثر من ذلك. شتم "عمرو بن الأهتم" "قيس بن عاصم"، فقال له ولقومه:

إن تبغضونا فإن الروم أصلكم ... والروم لا تملك البغضاء للعرب٤

وقد عير "حسان بن ثابت" "بني المغيرة" وسبهم بأنهم عبيد قيون، أبوهم


١ نهاية الأرب "٣/ ٢٧٢".
٢ نهاية الأرب "٣/ ٢٧٥".
٣ نهاية الأرب "٣/ ٢٧٦".
٤ ديوان حسان "ص٤٤" "هرشفلد".

<<  <  ج: ص:  >  >>