<<  <  ج: ص:  >  >>

كل وسائل الراحة المتوفرة بالقياس إلى ذلك العهد. فرجل مثل "عبد الله بن جدعان" كان ثريًّا ثقيل الثراء، يملك آنية من الذهب والفضة، ويشرب بكئوس غالية، ويأكل أكلات غريبة، ويتفنن في مأكله، وقد استحضر لذلك طباخين من الخارج من العراق مثلًا، ليطبخوا له طعامًا غريبًا عجميًّا، أقول: إن رجلًا مثل هذا لا بُدَّ أن يكون بيته بيتًا كبيرًا يتناسب مع ثراء صاحبه وماله وقد بني بناء محكمًا، وأحصنت جدرانه وارتفعت حتى يكون في مستطاعه التحصن فيه وقت الخطر والمحافظة على نفسه، السراق والطامعين في ماله في الليل والنهار.

ولا بد أن يكون بيت عبد الله بن جُدْعان هذا قد بني من أجنحة متعددة، جناح لسكناه مع نسائه، وجناح لقيانه وخادماته وجناح لخدامه وعبيده، وجناح لاستقبال أصحابه وندمائه وأصحاب الحجات والأشغال، فقد كان يجلس للأصدقاء يتسامر معهم ويسمع معهم غناء قيانه، وعلى رأسهن "الجرادتان"، وهما قينتاه المختارتان، وكان لهما صوتان شجيان، وقد اشتهرتا بمكة، وخلد ذكرهما حتى الآن، فلا يعقل أن يكون بيته صغيرًا أو حقيرًا أو بدائيًّا، إذْ لا يتناسب ذلك مع ما يذكره أهل الأخبار ويروونه عن ثرائه وبذخه وعن شربه بآنية من ذهب وفضة، إلى غير ذلك مما يحملنا –لو صدقنا روايات الأخباريين- على أن بيته يجب أن يتناسب مع ثرائه.

وعاصر ابنَ جُدْعان نفر آخر كانوا من أغنياء مكة ومن أصحاب المال والثراء، لهم ذوق في الجمال وحب للشراب. وكان لهم خدم وحشم، ورجال من هذا الطراز لا بد أن تكون بيوتهم حسنة ومن حجارة، وفيها وسائل الراحة، ولها مواضع خاصة بإقامة النساء، وأماكن خاصة باستقبال الضيوف، ومواضع لإقامة الخدم والعبيد. والحيوانات التي يرتبطها للركوب، وحجر لحفظ الأطعمة والأشربة بمقادير كافية احتمالا لحالات الطوارئ.

وعرفت الزرابي، وهي "الطنافس"، في بيوت أثرياء الجاهليين وقصور الأمراء. وقد ذكرت "الزرابي" و"النمارق" في القرآن الكريم1. وورد أن الزرابي ضرب من الثياب محبر، منسوب إلى موضع2، وذكرت "الزرابي" في شعر "حسان"3.


1 الغاشية، الآية 16.
2 المفردات، للأصفهاني "ص211".
3
تَرى فَوقَ أَثناءِ الزَرابِيِّ ساقِطًا ... نِعالًا وَقَسّوبًا وَرَيطًا مُعَضَّدا
البرقوقي "ص146".

<<  <  ج: ص:  >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير