<<  <  ج: ص:  >  >>

[حكم الملوك]

وتتلخص نظرة الجاهلية بالنسبة إلى حكم الملوك فيما يأتي: الملك مالك والتابع مملوك، واجبه تقديم حقوق الملك للملوك وحق الملك الطاعة وفي ضمن الطاعة: الإخلاص له، والعمل بما يفرضه على التابع من حقوق وواجبات. وليس للرعية الامتناع عن دفع ما في عنقها من حقوق لملوكها أو ساداتها: سادات القبائل.

وليس لأحد حق مطالبة ملكه بدفع مال له، لا بصورة ثابتة معينة مقررة، ولا بصور أخرى. إنما الملوك والسادات أحرار، لهم أن يعطوا ولهم أن يمسكوا، وما يدخل خزانتهم وما يأتيهم من ربح من تجارة أو مغنم من حروب أو من عشور ومكوس وضرائب أخرى، هو من حقهم وهو من ملكهم الخاص بهم. وكل ما يعود للحكومة، هو لهم. لأنهم هم الحكومة، والحكومة الرؤساء.

وفي الحديث: "ومأكول حمير من آكلها" المأكول: الرعية، الآكلون الملوك جعلوا أموال الرعية لهم مأكلة، أراد أن عوام أهل اليمن خير من ملوكهم1.

و"الآكال: مآكل الملوك. وآكال الملوك: مأكلهم وطعمهم: والأكل: ما يجعله الملوك مأكلة"2. والمأكولون إذن هم الرعية، يأكلهم ملوكهم، بما يأخذونه منهم من حقوق وبما يفرضونه عليهم من واجبات، والآكلون هم الملوك، لأنهم يأكلون ولا يعطون.

والحاكم ملك كان أو سيد قبيلة، هو حاصل المحيط الذي نشأ فيه، والبيئة التي عاش بين أهلها، لذلك نراه مستبدًّا إلى آخر حدّ من جهة، ونراه عطوفًا غافرًا للذنوب من جهة أخرى. وهو القانون والسلطة التنفيذية والتشريعية ولا راد لحكمه وقضائه، إلا التوسلات والوساطات وشفاعة الشفاع، فإن تأثر بالشفاعة غير رأيه وإن أصر على رأيه فلا راد لحكمه. وحكم هذا شأنه يكون خاضعًا لمزاج الحاكم ولدرجة هدوء أعصابه واتزانه، فإن كان الملك عاطفيًّا منفعلًا سريع التأثر، صار عهده عهد مشاكل ومؤامرات يكون قتل الأشخاص فيه من الأمور البسيطة. وما يومي البؤس والنعيم، إلا مثل على عقلية الحاكم في ذلك الوقت. وفي حكم كهذا تكثر فيه بالطبع الوشايات والمؤامرات، إذ يستغله الحساد وأصحاب الذكاء في


1 اللسان "11/ 21"، "أكل".
2 اللسان "11/ 21"، "أكل".

<<  <  ج: ص:  >  >>