للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الإيقاع بخصومهم، كالذي فعلوه من الإيقاع بين النعمان والشاعر النابغة صديقه والمقرب إليه، وكالذي فعلوه من الإيقاع بين "عمرو بن هند" وهو ملك متهور قلق، وبين سادات القبائل مما سبب إلى غزوهم وإلى استهتار بعض القبائل بحكمه وخروجه على طاعته.

وقتل الأشخاص من أبسط الأمور بالنسبة إلى أولئك الحكام، فإذا أزعجهم شخص أو هجاهم شاعر أو انتقصهم أحد، فقد يكون القتل جزاء له في الغالب.

وإذا أمر الملك بقتل إنسان، قتل، ما لم يشفع له شفيع قويّ مؤثر. وإذا كان أمر الملك بقتل الشخص في الحال، قتل دون تأخير. ولا راد لحكمه. فهو الحاكم وهو المنفذ للأحكام. ولا اعتبار لمنزلة الشخص الذي سيقتل، والشيء الذي يؤجل الموت أو يبعده عن شخص ما، هو هروبه إلى رجل منافس لهذا الحاكم كاره له، أو له دالة عليه، فينقذ لجوؤه إلى ذلك الشخص رقبته من سيف الجلاد.

وللملك إحراق من يشاء إذا أراد، والتمثيل بجسم عدوه. وقد رأينا جملة ملوك من ملوك "آل لخم" و"آل غسان" وقد عرفوا "بمحرق"؛ لأنهم حرقوا أعداءهم بالنار. لم يحرقوا بيوتًا، بل بشرًا، وقد رأينا بعض الروايات، وهي تنسب إلى "المنذر بن ماء السماء" قتل راهبات وقعن في الأسر من غسان ليكنّ قرابين قربهن إلى العُزّى. ورأينا أمر "عمرو بن هند" بذبح تسعة وتسعين رجلًا من تميم على قمة "أوارة"، لأنه حلف يمينًا لينتقمن منهم بقتل مائة رجل منهم، وإحراقهم بالنار. فقيل له: المحرق. وضرب بفعله المثل في قصة يروونها عن هذا المثل: إن الشقي وافد البراجم١.

وقد اشتهر "الجلندي" ملك "عمان" بظلمه، حتى ضرب به المثل. فقيل: "أظلم من الجلندي" و"ظلم الجلنديّ". وقيل: إنه هو الذي ذكره الله في كتابه، فقال: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} ٢.

ويذكر أهل الأخبار أن الملوك إذا أرادت قتل شخص، لبست جلود النمر وجلست تتفرج على من يراد قتله. ويعبر عن ذلك بالتنمر٣.


١ ثمار القلوب، للثعالبي "١٠٧ وما بعدها"، "وهو أول من عاقب بالنار"، حمزة "٦٧".
٢ سورة الكهف، الآية٧٩، الثعالبي، ثمار القلوب "١٨٣"، الكشاف "٢/ ٥٧٨".
٣ تاج العروس "٣/ ٥٨٧"، "نمر".

<<  <  ج: ص:  >  >>