<<  <  ج: ص:  >  >>

[أيام العرب]

عرفت الحروب والمناوشات التي وقعت بين القبائل بعضها مع بعض، أو بين ملوك اليمن والقبائل أو بين الفرس والعرب أو بين الملوك العرب والقبائل بـ"الأيام" وبـ"أيام العرب"1. وهذه الأيام تؤلف -في الواقع- القسط الأكبر من علم الأخباريين بتأريخ الجاهلية، ومادتها القصص الذي تناقله الناس عمن شهدوها، وحفظوه في صدورهم، إلى أن كان التدوين فدوِّن. وهو مادة محبوبة تناولها الناس في الجاهلية والإسلام بلذة وشوق، فكانت هي والشعر الجاهلي من أهم المجالس. "قيل لبعض أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ما كنتم تتحدثون به إذا خلوتم في مجالسكم؟ قال: كنا نتناشد الشعر، ونتحدث بأخبار جاهليتنا"2، وأهم أخبار الجاهلية هي هذه الأيام.

ومادة هذه الأيام عربية خالصة، يتخللها شعر قيل بالمناسبة في تلك الأيام في الفخر والحماسة وفي هجاء الخصم والانتقاص منه. والفضل هو لهذا الشعر في حفظ أخبار تلك الأيام، وصيانتها من النسيان، لاضطرار الراوي والسامع إلى الاطلاع على المناسبة التي قيلت فيها تلك الأشعار. وعلى هذه المادة العربية اعتماد المؤرخ في تدوين تأريخ العرب في الجاهلية، وتتبع التطورات السياسية التي حدثت قبيل الإسلام.

وفي شعر المخضرمين وشعر الشعراء الإسلاميين الذين نبغوا في العهد الأموي مادة تفيدنا في الوقوف على خبر تلك الأيام، فقد حفظ تفاخر الشعراء بقبائلهم ومهاجاة بعضهم لبعض آثار تلك الأيام، فدونت في شعر الهجاء والتباهي والتفاخر، وزاد بذلك علمنا الذي أخذناه من أخبار الأيام ومن الشعر الجاهلي الذي أشير فيه إليها.

وموضوع كموضوع الأيام، لا بد أن يُقبل العلماء عليه إقبالًا كبيرًا، وهذا ما وقع، فألف فيه جماعة، منهم "أبو عبيدة" المتوفى سنة "210" أو "211" للهجرة، وأدخله قوم في مؤلفاتهم، فأفردوا له بابًا أو أبوابًا، ولكنا لا نملك حتى اليوم كتابًا قديمًا قائمًا بذاته في الأيام. وكل ما نملكه هو هذه الأبواب الداخلة


1 اللسان "16/ 139".
2 العقد الفريد "6/ 3 وما بعدها"، نهاية الأرب "15/ 338".
Ency. I, P.218

<<  <  ج: ص:  >  >>