للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقد ذكر علماء التفسير أن هذه الآية نزلت في "العُرنيين" أو قوم من "عكل" قدموا على رسول الله، فاجتووا المدينة، فأمر لهم رسول الله بلقاح وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلوا، فلما صحوا، قتلوا راعي رسول الله واستاقوا النعم، وكفروا بعد إسلامهم فبلغ النبي خبرهم، فأرسل في آثارهم، فأتى بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون. وكانوا قطعوا يدي الراعي ورجليه، وغرزوا الشوك في عينيه حتى مات، وأدخل المدينة ميتًا. وكان هذا الفعل سنة ست من الهجرة١.

كذلك كان القتل بإزهاق الروح بالرجم من العقوبات المعروفة عند الجاهليين، فقد قتل المشركون "عبد الله بن طارق"، رجمًا بالحجارة، أوثقوا أطرافه، فلما نزع يده من رباطه، قتلوه رجمًا بالحجارة٢. ولكن هذه العقوبة من العقوبات القليلة التي لجأ إليها أهل الجاهلية، فلا نستطيع اعتبارها من نوع القتل المألوف عند العرب.

والخنق معروف عند الجاهليين، لكنه قليل الاستعمال في العقوبات. وقد ذكر أن "النعمان بن المنذر"، أمر بخنق عدي بن زيد العبادي حتى مات٣. ويكون بخنق الشخص بحبل يضيق على رقبته ويشد حتى يموت أو بقماش أو بجلد أو باليد وبأمور أخرى عديدة. وقد خنقت بعض النساء رجالًا، انتقامًا منهم. ويستعمل عند وجود فرصة سانحة كأن يكون الشخص نائمًا أو عند عثور شخص لا سلاح عنده على عدو له. فوجد أن الفرصة الوحيدة المواتية له للقضاء عليه هي بإخناقه، وقد يستعمل في حالة الدفاع عن النفس.

وقد عرفت "المثلة" عند الجاهليين. يقال مثل بفلان، نكل به تنكيلًا، بقطع أطرافه والتشويه به. ومثّل بالقتيل جدع أنفه وأذنه أو مذاكيره أو شيئًا من أطرافه. وقد مثِّل بـ"حمزة" عم النبي، لما قتله "وحشي". وقد نهى الإسلام عن المثلة بالإنسان وبالحيوان٤.


١ تفسير الطبري "٦/ ١٣٢ وما بعدها"، روح المعاني "٦/ ١٠٦ وما بعدها"، تفسير القرطبي "٦/ ١٤٨ وما بعدها".
٢ إمتاع الأسماع "١/ ١٧٥"، الاستيعاب "٢/ ٣٠٦"، "حاشية على الإصابة".
٣ تاج العروس "٦/ ٣٣٩"، "خنق".
٤ تاج العروس "٨/ ١١١"، "مثل"، تفسير الطبري "٦/ ١٣٣".

<<  <  ج: ص:  >  >>