فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الخَلْطُ بينَ الأَشْعَارِ:

وبسبب اعتماد الرواة على الذاكرة في حفظ الشعر وروايته، وأنفة المتقدمين منهم من تدوينه، ومن الرجوع إلى الصحف وقع الخلط في شعر الشعراء، فصاروا ينسبون شعرًا لشاعر، بينما هو من شعر شاعر آخر. ونجد في كتب الأدب أشعارًا تنسب إلى شاعر، ثم تنسب إلى شاعر آخر، أو إلى شاعر ثالث في موضع آخر من الكتاب، أو في كتب أخرى. وما كان ذلك ليقع، لو كان القدماء قد أخذوا العلم بطريق الكتابة والتدوين. من ذلك مثلا الشعر:

تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا

فإنه ينسب لأبي الصلت بن أبي ربيعة الثقفي، وينسبه بنو عامر للنابغة الجعدي1. ومن ذلك قصيدة:

تَطاوَلَ لَيلُكَ بالأَثمدِ ... ونامَ الخَليُّ ولم تَرقُدِ

فقد نسبت لامرئ القيس الكندي، ونسبت لعمرو بن معدي كرب، ونسبت لامرئ القيس بن عانس2.

وللسبب المتقدم وقع خلط في عدد أبيات الشعر، فقد زاد بعض الرواة في قصيدة شاعر، بينما نقص رواة آخرون عدد أبياتها، وقد يدخلون في القصيدة ما ليس منها بسبب اختلاط الشعر على الراوية، وما كان هذا ليقع لو ورد الشعر مدونًا منذ أيام الجاهلية.

ومن ذلك أيضًا ورود الشعر بروايات وبأوجه مختلفة، فقد ورد الشعر المنسوب لأفنون التغلبي:

لَو أَنَّني كُنتُ مِن عادٍ وَمِن إِرَمٍ ... غذى سخل ولُقمانا َوذا جَدَنِ

بروايات مختلفة، كما قرئت بعض ألفاظه بأوجه مختلفة من أوجه الإعراب3،


1 الْمُزْهِرُ "1/ 183".
2 السيوطي، شرح شواهد "2/ 731".
3 مجالس العلماء "42 وما بعدها".

<<  <  ج: ص:  >  >>