للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

إذا ما نزلْنا لم نجدْ ظِلَّ ساعةٍ ... سوى يابسِ الأنهارِ أو سعفِ النخلِ

مررْنا على سوراءَ نسمعُ جرسَهُ ... يئطّ نقيضاً عن سفائنهِ العصلِ

فلما بدا جسرُ الصراةِ وأعرضَتْ ... لنا سوقُ فرّاغِ الحديثِ بلا شغلِ

نزلْنا على يحيى فيا طيبَ دارِهِ ... وطاعةَ من فيها على أيسرِ البذلِ

يشارطُهُ من شاءَ كانتْ بدرهمٍ ... عروساً لما بين السبيئةِ والبَسْلِ

فأتبعْتُ رمحي ترسَهُ ثم نصلَهُ ... وبعتُ حماري واسترحتُ من الثقلِ

مهرتُهما حُردنقةً فتركتُها ... طموحاً بطرفِ العينِ شائلةَ الرِّجلِ

عون الحِيري:

أبو عبيدة: كان بالحيرة خمّار يقال له عون، ظريف طيّب الشراب، نظيف البيت. وكان فتيان أهل الكوفة يشربون في حانته، ولا يختارون عليه أحداً. وكان أبو الهندي التميمي الشاعر يشرب عنده، فشرب في ليلة من ليالي شهر رمضان حتى طلع الفجر وصاحت الديوك، فقال أبو الهندي:

شربتُ الخمرَ في رمضانَ حتى ... رأيتُ البدرَ للشِّعرى شريكا

فقال أخي: الديوكُ منادياتٌ ... فقلتُ لهُ: وما يُدري الدُّيوكا

دُوَمةُ الخمّارة:

قال أبو عبيدة: مر الأقيشر بخمّارة بالحيرة يقال لها دُومة، فنزل عندها واشترى منها شراباً، وقال: جوِّدي الشرابَ حتى أجود لكِ المديح، ففعلت، فقال:

ألا يا دُومُ دامَ لكِ النعيمُ ... وأسمرُ ملءَ كفِّكِ مستقيمُ

شديدُ الأسرِ ينبضُ حالباهُ ... يُحَمُّ كأنّهُ رجلٌ سقيمُ

يُروِّيهِ الشرابُ ويزدهيهِ ... وينفخُ فيهِ شيطانٌ رجيمُ

فقالت: ما قال فيَّ أحدٌ أحسن من هذا، ولا أسرّ إليّ.

[أناهيد:]

خمّارة من أهل بُست كانت تبيع الخمر، وتمكّن من نفسها، ويجتمع إليها ذوات الفساد من النساء، فدخل إليها أبو الهندي، فأعطاها ديناراً لها، وديناراً لمغنية صنّاجة معها غلام يزمّر، وامرأة ترقص، وجلس معهم يشرب. فلما سكر راود المرأتين عن أنفسهما، فقالت له: أعطنا شيئاً، فإنَّ الذي أخذنا للغناء لا للزنا، فقال: يجيءُ غلامي غداً، فآخذ منه دراهم، وأعطيكنّ ما تردن، ولم يزل يحلف لهنّ أنه لا يخلفهنّ، فطاوعتاه، فبات ليلته إلى الصباح معهن فيما يريد، فلما أصبح خرج وتركهن نياماً وقال:

آلى يميناً أبو الهنديِّ كاذبةً ... لَيُعطيَنَّ زواني بُستَ ماشِينا

وغرَّهُنَّ فلمّا أنْ قضى وطراً ... قالَ انصرفْنَ فأخزى اللهُ ذادِينا

وقال أيضاً:

يا لقَومي فتنتْني جارَتي ... بعدَما شبْتُ وأودى بي الكِبَرْ

شيَّبتْ جدّي ورِبعيَّ أنا ... وأنا القَرْمُ إذا عُدَّتْ مُضَرْ

عندنا صنّاجةٌ رقّاصةٌ ... وغلامٌ كلما شئنا زمَرْ

حسنُ العينينِ ذو قَصّابةٍ ... زانَهُ شذرٌ وياقوتٌ ودُرْ

وتحدث رجل من بني تميم قال: كان أبو الهندي يشرب معنا بمرو، وكان إذا سكر تقلّب تقلُّباً قبيحاً، وكنا على سطح، فشددنا رِجلَه بحبل، ولم نقصِّر، فغلب السكرُ عليه فتدحرج حتى سقط، وبقي معلقاً برجله، فاختنق بشرابه، ومات فأصبحنا فوجدناه ميتاً.

هشيمة الخمّارة:

كانت هشيمة من ساكني الشام تخدم الوليد بن يزيد في شرابه، وتتولى اتخاذه وتختاره له، ويقال إنه لم يُرَ أعرف منها بأمره، ولا ألطف آلةً وصنعةً، ولا ألبقَ في الخدمة، وقد ذكرها الوليد بن يزيد في بعض شعره يصفها فقال:

قد شربْنا وحنَّتِ الزمّارَهْ ... فاسقِني يا بذيحُ بالقَرْقارَهْ

من شرابٍ كأنّهُ دمُ خَشفٍ ... عتقتْهُ هشيمةُ الخمّارَهْ

اسقِني اسقِني فإنَّ ذنوبي ... قدْ أحاطَتْ فما لها كَفّارَهْ

وعُمّرت حتى أدركت الرشيد. وحدث إسحاق الموصلي قال: كانت هشيمة الخمارة جارتي، وكانت تخصّني بطيب الشراب وجيّده، فلما ماتت رثيتُها فقلت فيها:

أضحَتْ هشيمةُ في القبورِ مقيمةً ... وخلَتْ منازلُها من الفتيانِ

كانتْ إذا هجرَ المحبُّ حبيبَهُ ... دبَّتْ لهُ في السرِّ والإعلانِ

حتى يلينَ لما تريدُ قيادُهُ ... ويعودُ سيئُهُ إلى إحسانِ

قال: وأجود ما رُثي به إسحاق الموصلي لما مات:

أصبحَ اللهوُ تحتَ عفرِ الترابِ ... ثاوياً في محلّةِ الأحبابِ

<<  <   >  >>