للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وعقولهم، ولا حاجة بهم إلى النظر في الإسناد وأحوال الرواة وعلل الحديث والجرح والتعديل، ولا إلى النظر في قواعد الأصول وأوضاع الأصوليين، بل قد غنوا عن ذلك كله.

فليس في حقهم إلا أمران:

أحدهما: قال الله تعالى كذا، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذا.

والثاني: معناه كذا وكذا.

وهم أسعد الناس بهاتين المقدمتين، وأحظى الأمة بهما، فقواهم متوفرة مجتمعة عليهما؛ لذلك كان قولهم أقرب إلى الصواب وأبعد عن الخطأ؛ فإنهم حضروا التنزيل، وسمعوا كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منه، وهم أعلم بالتأويل وأعرف بالمقاصد، وأقرب عهدًا بنور النبوة، وأكثر تلقيًا من المشكاة النبوية (١) .

(الدليل الثالث: أن فتوى الصحابي لا تخرج عن ستة أوجه (٢) :

الوجه الأول: أن يكون سمعها من النبي - صلى الله عليه وسلم -.

الوجه الثاني: أن يكون سمعها ممن سمعها منه - صلى الله عليه وسلم -، فإن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يهابون الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويعظمونها، ويقللونها خوف الزيادة والنقصان.

الوجه الثالث: أن يكون فهمها من آية من كتاب الله فهمًا خفي علينا.

الوجه الرابع: أن يكون قد اتفق عليها ملؤهم، ولم ينقل إلينا إلا قول المفتي بها وحده.

الوجه الخامس: أن يكون لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ على الوجه الذي انفرد به عنا، أو لقرائن حالية اقترنت بالخطاب، أو لمجموع أمور فهمها على طول الزمان من رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومشاهدة أفعاله، وأحواله، وسيرته، وسماع كلامه، والعلم بمقاصده، وشهود تنزيل الوحي، ومشاهدة تأويله بالفعل، فيكون فهم ما لا نفهمه نحن.


(١) انظر: "روضة الناظر" (١/٤٠٥) ، و"إعلام الموقعين" (١/٧٩ – ٨٢، ٤/١٤٨ – ١٥٠) .
(٢) انظر: "الفقيه والمتفقه" (١/١٧٤) ، و"إعلام الموقعين" (٤/١٤٨) .

<<  <   >  >>