<<  <   >  >>

(وأن النسخ لا يجوز بالقياس؛ لأن القياس إنما يعتبر فيما لا نص فيه وحيث وجد النص بطل القياس المخالف له (1) .

(وأنه لا يجوز النسخ بأدلة العقل؛ لأن دليل العقل ضربان:

ضرب لا يجوز أن يرد الشرع بخلافه فلا يتصور نسخ الشرع به.

وضرب يجوز أن يرد الشرع بخلافه –وهو البقاء على حكم الأصل– فهذا إنما يجب العمل به عند عدم الشرع (2) .

ولا يشترط في الناسخ أن يكون أقوى من المنسوخ، أو في مرتبته، بل يكفي أن يكون الناسخ وحيًا صحيح الثبوت (3) خلافًا لما ذهب إليه الأصوليون من قولهم:

"لا يجوز نسخ المتواتر بالآحاد، لأن المتواتر أقوى من الآحاد والأقوى لا يرفع بما هو دونه" (4) .

ويمكن بيان غلط الأصوليين في هذا من وجهين:

الوجه الأول: ما ذكره الشيخ محمد الأمين الشنقيطي إذ يقول:

"أما قولهم: إن المتواتر أقوى من الآحاد، والأقوى لا يرفع بما هو دونه فإنهم قد غلطوا فيه غلطًا عظيمًا مع كثرتهم وعلمهم، وإيضاح ذلك:

أنه لا تعارض ألبتة بين خبرين مختلفي التاريخ؛ لإمكان صدق كل منهما في وقته، وقد أجمع جميع النظار أنه لا يلزم التناقض بين القضيتين إلا إذا اتحد زمنهما، أما إن اختلفا فيجوز صدق كل منهما في وقتها (5) .

فلو قلت: النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى إلى بيت المقدس، وقلت أيضًا: لم يصل إلى بيت المقدس، وعنيت بالأولى ما قبل النسخ، وبالثانية ما بعده؛ لكانت كل منهما صادقة في وقتها" (6) .


(1) انظر: "الفقيه والمتفقه" (1/86) ، و"شرح الكوكب المنير" (3/571 – 573) ، و"مذكرة الشنقيطي" (88، 89) .
(2) انظر: "الفقيه والمتفقه" (1/123) .
(3) انظر: "أضواء البيان" (2/250، 251) ، و"مذكرة الشنقيطي" (86) .
(4) انظر على سبيل المثال: "الإحكام" للآمدي (3/134) .
(5) انظر (ص 286) من هذا الكتاب.
(6) "مذكرة الشنقيطي" (86) .

<<  <   >  >>