فصول الكتاب

<<  <   >  >>

الأمر، فإذا كان لابد من ترجيح أحد القولين وجب ترجيح هذا الذي علم ثبوته على ما لا يعلم ثبوته، وإن لم يعلم انتفاءه من جهته، والواجب قطعًا ترجيح المعلوم ثبوته على ما لا يعلم ثبوته، فهذا من رجحان الاعتقاد لا من اعتقاد الرجحان، إذ أنه رجح هذا الاعتقاد على هذا الاعتقاد وهو الظن لكن ليس من الظن الذي قال الله فيه: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ} [النجم: 23] ، بل هو ظن راجح، ورجحانه معلوم، فحكم المجتهد بما علمه من الظن الراجح والدليل الراجح، وهذا معلوم له لا مظنون عنده.

قال ابن تيمية: "فقد تبين أن الظن له أدلة تقتضيه، وأن العالم إنما يعمل بما يوجب العلم بالرجحان لا بنفس الظن إلا إذا علم رجحانه.

وأما الظن الذي لا يعلم رجحانه فلا يجوز اتباعه، وذلك هو الذي ذم الله به من قال فيه: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ} [النجم: 23] ، فهم لا يتبعون إلا الظن، ليس عندهم علم، ولو كانوا عالمين بأنه ظن راجح لكانوا قد اتبعوا علمًا لم يكونوا ممن لا يتبع (1) إلا الظن. والله أعلم (2) .

4- القطع والظن من الأمور النسبية (3) :

كون الشيء قطعيًا أو ظنيًا أمر إضافي، فإن الإنسان قد يقطع بأشياء علمها بالضرورة أو النقل المعلوم صدقه عنده، وغيره لا يعرف ذلك لا قطعًا ولا ظنًا، وقد يحصل القطع لإنسانٍ، ولا يحصل لغيره سوى الظن.

وإنما اختلف الناس في ذلك بسبب اختلافهم في الاطلاع على الأدلة، والقدرة على الاستدلال، وتفاوتهم في الذكاء وقوة الذهن وسرعة الإدراك.

قال ابن تيمية: "وقد تبين أن جميع المجتهدين إنما قالوا بعلم، واتبعوا العلم، وأن الفقه من أجل العلوم، وأنهم ليسوا من الذين لا يتبعون إلا الظن، لكن بعضهم قد يكون عنده علم ليس عند الآخر.


(1) في الأصل: "ممن يتبع".
(2) "مجموع الفتاوى" (13/120) .
(3) انظر المصدر السابق (19/211، 9/156، 157) ، و"مختصر الصواعق" (501) .

<<  <   >  >>