للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وقد عد ابن طباطبا هذه الأبيات من الأشعار المحكمة المتقنة المستوفاة المعاني، الحسنة الرصف، السلسة الألفاظ التي قد خرجت خروج النثر سهولة وانتظاما، فلا استكراه في قوافيها، ولا تكلف في معانيها١.

ومن المنصفات قول العباس بن مرداس السلمي ينصف أعداءه:

فلم أر مثل الحي حيا مصبحا ... ولا مثلنا يوم التقينا فوارسا

إذا ما شددنا شدة نصبوا لنا ... صدور المذاكي والرماح المداعسا

إذا الخيل جالت عن صريع نكرها ... عليهم فما يرجعن إلا عوابسا٢

٤- ومع هذه الروح الحربية, فقد كان في العرب الجاهليين دعاة للسلام, يحتملون المغارم في سبيل إيقاف نار الحرب, كما فعل الحارث بن عوف وهرم بن سنان اللذان توسطا بين عبس وذبيان واحتملا ديات قتلاهما. وقد أشاد بهما زهير بن أبي سلمى في معلقته, إذ يقول:

سعى ساعيا غيظ بن مرة بعدما ... تبزل ما بين العشيرة بالدم

فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله ... رجال بنوه من قريش وجرهم

يمينا لنعم السيدان وجدتما ... على كل حال من سحيل ومبرم

فأدركتما عبسا وذبيان بعدما ... تفانوا، ودقوا بينهم عطر منشم

ثم يمضي زهير في وصف شرور الحرب التي تشتعل, فتحرق وتستشري فتفترس, ولا تنتج إلا غلمان شؤم موتورين حاقدين.


١ عيار الشعر ص٤٨, ٤٩ تحقيق الدكتورين طه الحاجري، ومحمد زغلول سلام. القاهرة ١٩٥٦م.
٢ المذاكي: الخيل التامة السن, والكاملة القوة. المداعس: الطعانة, والدعس: الطعن. ومعنى البيت الثالث: أن تلك الخيول التي يكرون بها على الأعداء ترجع عابسة الوجوه؛ لما تلاقي من شدة الخصوم.

<<  <   >  >>