<<  <   >  >>

أحدهما: ما قاله ابن جنى. أنه من قولهم: هذه الدراهم جائزة. أي تجوز على خبث.

كأنه يقول: إن الناس استفادوا مني الأخلاق الغريبة والمعاني البديعة. فتكلموا ما ليس في طباعهم فجازوا ونفقوا بترك الناس ذمهم، وإن لم يحمدوهم.

والثاني: أن جازوا أمر من المجازاة. وعدل عن معاتبه إلى الخطاب فيقول: أيها الناس إذا استفدتم مني هذه المعاني فجازوني بترك الذم إن لم تحمدوني.

وجدت علياً وابنه خير قومه ... وهم خير قومٍ واستوى الحر والعبد

يقول: وجدت علياً وابنه أفضل قومه، وقومه خير الناس. من بعدهم متساوي في الفضل، لا فضل في ذلك بين الحر والعبد.

وأصبح شعري منهما في مكانه ... وفي عنق الحسناء يستحسن العقد

روى: في عنق الحسناء. أي عنق المرأة الحسناء وروي: وفي العنق الحسناء؛ على أن يكون الحسناء صفة للعنق. والكناية في منهما للممدوح وأبيه، وفي مكانه للشعر.

يقول: أصبح شعري فيهما حين مدحتهما به في مكانه. أي في المكان الذي ينبغي أن يكون فيه، فزاد حسنه، كما أن العقد إذا كان في عنق الحسناء، أو في العنق الموصوف بالحسن كان أزيد حسناً؛ لما كان ذلك مكانه.

[قصائد ابن طغج]

وكثرت على أبي الطيب مراسلة الأمير أبي محمدٍ الحسن بن عبيد الله ابن طغج من الرملة فسار إليه فلما حل به حمل إليه وأكرمه.

وحدث أبو عمر عبد العزيز بن الحسن السلمي بحضرة أبي الطيب قال: حدثني محمد بن القاسم المعروف بالصوفي قال: أرسلني الأمير أبو محمدٍ إلى أبي الطيب ومعي مركوبٌ يركبه فصعدت إليه، إلى دارٍ كان نزلها فسلمت عليه وعرفته رسالة الأمير، وأنه منتظرٌ له، فامتنع علي وقال: أعلم أنه يطلب شعراً، وما قلت شيئاً. فقلت له: ما تفترق! فقال لي: فاقعد إذاً، ثم دخل إلى بيت في الحجرة ورد الباب عليه فلبث فيه مقدار كتب القصيدة ثم خرج إلي وهي في يده مكتوبةٌ لم تجف بعد. فقلت له: أنشدنيها فامتنع وقال: الساعة تسمعها. ثم ركب وسرنا فدخل على الأمير أبي محمد وعيني الأمير إلى الباب ممدودة منتظراً إلى وروده فسأل عن خبر الإبطاء فأخبرته الخبر فسلم عليه ورفعه أرفع مجلسٍ.

وأنشد أبو الطيب:

أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم ... علمت بما بي بين تلك المعالم

وقت نصب على الظرف. واللوائم جمع اللائمة. والمعالم جمع، وهي أثر العلامة. وقوله: أنا لائمي كالقسم، أو كالدعاء على نفسه بأن يكون من جملة لوامه، لأنه أبغض الناس عنده.

فيقول: لمت نفسي إن كنت وقت لامتني اللوائم، ما لحقتني عند وقوفي على آثار المحبوبة يعني: جعلني الله من لوامه إن كنت علمت ذلك.

وقيل: معناه الخبر، أي لو كنت علمت ما أصابني عند ذلك، لكنت أنا ألوم نفسي على ما ظهر من الجزع ولكني تحيرت حتى ذهب عقلي.

ولكنني مما ذهلت متيمٌ ... كسالٍ وقلبي بائحٌ مثل كاتم

ذهلت: أي غفلت والمتيم: الذي عبده الحب.

يقول: ولكنني تحيرت فبقيت ذاهل اللب عن الشكوى فأنا متيم ولكني كأني سالٍ صابر؛ لما لحقني من التحير وذهاب العقل، وكأن قلبي يحب ويخفق فيبوح بما كنت أكتمه من الشوق! فهو بائح بما يجده وكأنه كاتم؛ لأني لا أظهر الشكوى بلسان.

وقيل: إن قلبي بائح من حيث أنه يتوجع فتبكي العين، فيظهر ما في قلبي بالدمع واللسان، فسكت عن إظهاره بالشكوى.

وقفنا كأنا كل وجد قلوبنا ... تمكن من أذوادنا في القوائم

الأذواد الإبل، ما بين الثلاثة إلى العشرة.

يقول: لما وقفنا بتلك المعالم أطلنا الوقوف، ولم تبرح إبلنا، فكأن ما في قلوبنا من الوجد في قوائم الإبل فهي لا تبرح!

ودسنا بأخفاف المطي ترابها ... فلا زلت أستشفي بلثم المناسم

المنسم: طرف خف البعير. والهاء في ترابها للمعالم.

يقول: وطئنا تراب المعالم بأخفاف إبلنا، فما زلت أشفي غليلي بتقبيل مناسم الإبل.

ديار اللواتي دارهن عزيزةٌ ... بطول القنا يحفظن لا بالتمائم

روى: ديار بالنصب بدلاً من قوله: ترابها. وروى: بالرفع على أنه خبر ابتداء محذوف: أي هي ديار.

يقول: هذه الديار ديار نساء عزيزات منيعات، لا يقدر أحد على الوصول إليهن، وإنما يحفظن بالرماح لا بالتمائم؛ إشارة إلى حسنهن وإلى صغرهن؛ لأن التمائم تعلق على من كان كذلك.

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير