للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ثم سار سيف الدولة إلى خلاط ومنازجرد وجميع تلك الولاية فملكها. وأخذ معه صفوان وثنا وهما - أخو نجا - وعاد بهما إلى ميافارقين.

وقد خلص أبا الفوارس بن ناصر الدولة من الروم بالمفاداة ووصل إلى ميافارقين يوم السبت ثاني صفر سنة خمس وخمسين وثلاث مائة.

وفي الخمسين خامس عشر من شهر ربيع الأول وصل كتاب من ناصر الدولة يذكر أنه ولد لأبي عليّ الباهلي بغلة، وحملت إلى ناصر الدولة وولده أبي تغلب ورأيها، والمشيمة معها، والولد حي، وعاش بعد ذلك.

وفي سنة خمس أيضا في شعبان: أغارت الروم من حصن اليماني على بلد ميافارقين ونهبت ضياعها، فخرج أحمد بن نصر - الوالي بها - ولحقهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة.

وبنى سيف الدولة بميافارقين القصر العتيق - داخل البلد - عند برج عليّ بن وهب وأحكمه، وأحسن عمارته، وسكن فيه. واجتمع عند سيف الدولة من أهله خلق عظيم. كانوا معه، وتحت كنفه، بحيث أن جميلة - أخت سيف الدولة - اطلعت يوما من الأيام من القصر العتيق على الميدان فرأت من أهلها مقدار عشرين ألف فارس فقالت: لا إله إلا الله، يوشك أن تقوم الساعة على آل حمدان!! هذا سوى من كان عند ناصر الدولة وأبي تغلب ومن كان بالشام منهم مقيما. فما مرّ بهم غير ستين أو سبعين سنة وما بقي منهم أحد يقول: أنا من بني حمدان؟!!.

وكان قد بقي منهم جماعة انتقلوا إلى الساحل وملكوا صور وما حولها، ثم انقرضوا ولم يبق منهم أحد.

ولم يكن لميافارقين ماء يسرح في أقطارها، وكان شربهم من الآبار. فشرع سيف الدولة في عمل العين التي بالربض، المعروفة برأس العين فساق منها قناة وجاء بها في وسط الربض، ودخل بها المدينة إلى أن أوصلها إلى القصر العتيق، وهي أول قناة سيقت إلى المدينة.

وفي يوم الجمعة التاسع والعشرين من المحرم سنة ست وخمسين وثلاث مائة: انكسفت الشمس كسوفا عظيما، بحيث ظهرت الكواكب بالنهار. وعمل الخطيب عبد الرحيم خطبة الكسوف، وخطب بها في ذلك اليوم.

[ذكر وفاة سيف الدولة بن حمدان]

في رابع ساعة من يوم الجمعة، وقيل ثالث ساعة لخمس بقين من صفر سنة ست وخمسين وثلاثمائة، توفي الأمير سيف الدولة، أبو الحسن، علي بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان - رحمه الله - بحلب. وكان مرضه عسر البول. وكان عمره أربعا وخمسين سنة قمرية، وثلاثا وخمسين سنة شمسية.

وتولىّ أمره أبو الهيثم بن أبي حصين، وغسله عبد الحميد بن سهل المالكي - قاضي الكوفة - وغسله تسعة أغسال: غسل بالماء أولا. ثم بالسدر، ثم بالصندل، ثم بالذريرة، ثم بالعنبر، ثم بالكافور، ثم بماء الورد، ثم بالماء القراح أخيرا غسلين.

ونشف بثوب ديبقي ثمنه نيف وخمسون دينارا - أخذه الغاسل مع ما أخذه -.

وصبر برطلين صبر، ورطل مر، ومنوين كافور، وجعل في لحيته ونحره مائة مثقال غالية. " وفي أذنيه وعينيه وأنفه وعنقه ثلاثون مثقالا كافورا ".

وكفن في سبعة أثواب، تساوي ألف دينار، منها: قميص قصب أدرج فيه بالكافور.

وبردان معمدان حبرتان.

وثوب شرب.

وعمامة شرب.

وجعل في التابوت مضربة، ومخدتان، وذر على الجميع الكافور.

وصلى عليه أبو عبد الله الأقسامي الكوفي، وكبر عليه خمسا.

وحمل فراشه إلى الأفطس العلوي بوصية منه.

واجتمع الناس إلى الأمير أبي المعالي شريف بن سيف الدولة ولقب بسعد الدولة.

وتسلم تابوت سيف الدولة غلام له يسمى تقيّ وحمله وسار به إلى ميافارقين ودفن بالتربة، داخل البلد، عند أمه وأخته.

[ذكر ولاية أبي المعالي شريف ولد الأمير سيف الدولة]

كان الأمير سيف الدولة قد عهد إليه قبل وفاته، فاستقلّ بملك حلب وميافارقين وغيرهما مما كان بيد والده. فرتب أمور حلب وأحوالها وسار إلى ميافارقين ليرتب أحوالها. وكان بها تقي غلام والده، فحدثته نفسه بالغدر بأبي المعالي فعلم به، فقبض عليه وصادره على ثلاثين ألف دينار، وحمل مقيدا إلى حصن كيفا فبقي فيه مدة. ثم أن الأمير أبا المعالي أراد المسير إلى الشام فاستحضر تقيا من حصن كيفا ورضي عنه، وخلع عليه، وسلم إليه ميافارقين وسار إلى الشام، وأقام بها، وتقي بميافارقين.

وأقامت جميلة أخت سيف الدولة " و " زوجة الأمير سيف الدولة بميافارقين.

<<  <   >  >>