للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[حكم السلام على المبتدع والكافر والفاسق]

ومن مباحث السلام، هل نسلم على المبتدع؟ هل نسلم على الفاسق؟ هل نسلم على الكافر؟ الأول: هل نسلم على المبتدع؟

الجواب

في ذلك تفصيل: إن كانت البدعة مكفرة؛ فإنه لا يسلم عليه، لأن الكافر لا يجوز أن تسلم عليه، وإن كانت لا تبلغ الكفر، كما لو كان مبتدعاً في بعض الأذكار التي لا تخرج من الملة، وما أشبه ذلك، فإنه ينظر إن كان في ترك السلام عليه مصلحة وجب أن نترك السلام عليه.

كيف تكون مصلحة في ترك السلام؟ نعم.

ليعرف أنه إنما هجر لأنه مبتدع؛ فيرتدع عن بدعته ويتوب، فهنا يجب أن نهجره لحصول توبته، وإن كان لا يزداد بالهجر إلا مفسدة وإقداماً على البدعة، ودعوة إليها فإننا لا نهجره؛ لأنه مسلم ولا يجوز هجر المسلم لغير مصلحة شرعية.

الثاني: الفاسق: كأن يكون هذا الرجل معروفاً بأكل الربا، أو يكون هذا الرجل معروفاً بعقوق الوالدين، أو معروفاً بالتساهل في الصلاة لكنه يصلي فهذا فاسق، هل نسلم عليه أم لا؟ نقول فيه ما قلنا في صاحب البدعة غير المكفرة، وهو إنه إذا كان هجرنا إياه يؤدي إلى صلاح حاله هجرناه، وإن كان لا يؤدي إلى صلاح حاله لم نهجره؛ لأنه مؤمن، لكنه مؤمن ناقص الإيمان، فإذا رأينا هذا الرجل، الذي نعرف أنه منهمك في أكل الربا، فإن كان بهجرنا إياه يرتدع عن أكل الربا، هجرناه فلا نسلم عليه، ولا نجيب دعوته إذا دعانا ولا ندعوه نحن إلى وليمة، لأننا إذا فعلنا به ذلك ارتدع، وهل لهذا أصل (أعني هجر العاصي) ؟ الجواب: نعم.

له أصل، وأصله أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى غزوة تبوك في السنة التاسعة، في فصل الصيف حين طابت الثمار، أي: أنه في أشد ما يكون من الحر، ولهذا تخلف المنافقون عنه، وتخلف من الرجال المؤمنين حقاً ثلاثة وهم: كعب بن مالك، والثاني: هلال بن أمية، والثالث: مرارة بن الربيع، تخلفوا عن الغزوة مع أنهم قادرون، وليس لهم عذر، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة جاء المعذرون من الأعراب، وجاء المنافقون يحلفون بأنهم معذورون، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر الله لهم ويكل سرائرهم إلى الله.

أما كعب بن مالك، فأخبر بالصدق وقال: إنه تخلف لغير عذر، وإنه في هذه الغزوة يملك بعيرين، ولكنه -رضي الله عنه- كان صريحاً، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: اذهب فسوف يقضي الله فيك ما شاء، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهجر هؤلاء الثلاثة، فهجرهم الناس، هجرهم النبي صلى الله عليه وسلم، يقول كعب: كنت آتي فأسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فأقول: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا.

مع أنه أحسن الناس خلقاً.

فهذا أصل في هجر الفاسق، وهم لا شك أنهم تابوا فتاب الله عليهم، وأنزل فيهم آيات تتلى إلى يوم القيامة، يقرءها الناس في صلاتهم، وفي خلواتهم ولكننا نقول: هجر العاصي جائز، إذا كان في ذلك مصلحة بحيث يرتدع، أما إذا كان في ذلك مفسدة بحيث يزداد فسقه، ويقول: ما هؤلاء (المطاوعة) لا يسلمون علينا؟ فلا يهمنا أمرهم.

وما أشبه ذلك من الكلام الذي يدل على أنه متمرد، فهنا لا نهجره، لأنه مؤمن، والأصل تحريم هجر المؤمن إلا لمصلحة.

أما الكافر فهل نسلم على الكافر؟ لا.

لا نسلم عليه أبداً لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه) مع أن اليهود والنصارى هم خير الكفار، والكفار كلهم لا خير فيهم، لكن لهم أحكام خاصة بهم، ولهذا تحل نساؤهم وتحل ذبائحهم، ويُقرُّون على دينهم بالجزية، وغيرهم لا تحل نساؤهم، ولا تحل ذبائحهم، ولا يقرون على دينهم بالجزية عند أكثر أهل العلم.

إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم نهى أن نبدأ اليهود والنصارى بالسلام، فغيرهم من البوذيين والمجوس والوثنيين والشيوعيين من باب أولى، ولهذا لا يجوز أن تسلم على يهودي أو نصراني أو غيرهما من الكفار، حتى لو دخلت عليهم في مجالسهم لا نسلم امتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم: {مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء:٨٠] .

ولكن إذا سلموا هل أرد عليهم السلام؟ نقول: نعم ترد عليهم السلام؛ لأن الله يأمر بالعدل والإحسان، وليس من العدل إذا سلم عليك أحد ألا ترد عليه، ولهذا كان من محاسن دين الإسلام أنهم -أي: الكفار- إذا سلموا علينا رددنا عليهم السلام، ولكن كيف نرد؟ نرد إذا صرحوا بالسلام علينا، وقالوا: السلام عليكم، قلنا: عليكم السلام، أما إذا كان غير صريح وغير واضح، فنقول: وعليكم، ولا نقول: السلام؛ لأن اليهود كانوا في المدينة مع الرسول عليه الصلاة والسلام فيمرون بالنبي صلى الله عليه وسلم فيقولون: السام عليك يا محمد! -ومعنى السام: الموت- فكانوا لا يوضحون توضيحاً كاملاً، فما يقولون: السام عليكم، يجعلونها بين اللام وبين عدمها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن اليهود إذا سلموا عليكم يقولون: السام عليكم؛ فقولوا: وعليكم) .

ومر يهودي بالنبي صلى الله عليه وسلم وعنده أم المؤمنين عائشة فقال: السام عليك يا محمد فقالت عائشة: عليك السام واللعنة، يعني: عليك الموت وعليك أيضاً زيادة {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء:٨٦] فهذا حيا بتحية سيئة فحيي بأسوأ منها فنهاها النبي صلى الله عليه وسلم وقال لها: (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، قالت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: قد قلت: وعليكم) إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم، فمن باب الفضل حيوا بأحسن منها، ولكن من باب العدل لا تحيوا بأسوأ منها، بل تقولوا: وعليكم، وبهذا يحصل الرد الواجب إن كانوا قد قالوا: السام عليكم فهو عليهم، وإن كانوا قد قالوا: السلام عليكم فهو لهم، فإذا صرحوا وقالوا: السلام عليكم كما يوجد الآن في كثير من الأعاجم، من الهنود وغيرهم يقول: السلام عليكم وهو كافر، فماذا تقول؟ لك أن تقول: عليك السلام؛ لأن الإسلام ميزان قسط وعدل، تقول: عليك السلام ولا حرج عليك في هذا.