للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

معنى قوله تعالى: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً)

من المعلوم أنه لا يخلد في النار إلا أهل الشرك، ولكن في قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} [النساء:٩٣] فكيف تفسر هذه الآية خاصة أن الخوارج يستدلون بها على كفر صاحب الكبيرة؟

يمكن أن يجاب عن هذا الإشكال من خمسة أوجه: الوجه الأول: هذه الآية من الآيات المتشابهة، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم فيمن قتل نفسه بحديدة: (أنه يعذب بها في جنهم خالداً مخلداً فيها أبداً) -فهو من النصوص المتشابهة- والقاعدة عند أهل الإيمان: أن النصوص المتشابهة تحمل على النصوص المحكمة، والنصوص المحكمة دلت على أن قتل النفس لا يخرج به الإنسان من الإيمان، قال الله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة:١٧٨] إلى أن قال: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة:١٧٨] ؛ فإذا كان كذلك فإن الواجب أن تحمل آية الوعيد والحديث على معنى لا يتنافى مع النصوص الأخرى، فتقول: قتل المؤمن عمداً وقتل النفس عمداً سبب للخلود في النار، والسبب قد يعارضه مانع، يمنع من حصول المسبب.

أرأيت مثلاً في باب الفرائض، القرابة سبب من أسباب الإرث، لكن قد يوجد مانع يبطل هذا السبب، لو كان الأب كافراً والابن مؤمناً فمات الابن فإن الأب لا يرثه، ولو مات الأب لم يرثه الابن، لوجود اختلاف الدين، فهكذا هذه الآيات والأحاديث التي فيها الوعيد، نقول: هذه الأفعال التي رتب عليها هذا الوعيد وهو الخلود في النار سبب من الأسباب، وإذا كان سبباً فمقتضى ذلك أن يحترز الإنسان منها؛ لأنه قد يكون هذا السبب لا مانع له كما جاء في الحديث: (لا يزال الرجل في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً) أي: أن من أصاب دماً حراماً فإنه يوشك أن يزيغ فيموت على الكفر، فنقول: هذا الفعل أي: قتل النفس المؤمنة عمداً سبب للخلود في النار، وهذا السبب قد يوجد مانع يمنع منه وهو الإيمان، فإن من كان في قلبه أدنى من مثقال حبة خردل من إيمان فإنه لا يخلد في النار، هذا وجه.

الوجه الثاني: أن هذا فيمن استحل القتل فإنه يخلد في النار، لكن هذا الوجه لما ذكر للإمام أحمد رحمه الله تعالى أن فلاناً قال: يخلد في النار من قتل المؤمن عمداً مستحلاً له ضحك، وقال: إذا استحل قتل المؤمن فإنه كافر سواء قتله أم لم يقتله، فهذا جواب ليس بشيء.

الوجه الثالث: قال بعض العلماء في جواب آخر: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} [النساء:٩٣] إن جازاه الله تعالى، فجعل الآية على تقدير شرط يعني إن جازاه فهذا جزاؤه، وإن لم يجازه بل عفا عنه؛ فإنه لا يحصل له هذا العذاب، قالوا: لأن الله تعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:٤٨] .

الوجه الرابع: قال بعض أهل العلم: إن هذا خرج مخرج الزجر والتنفير، وما خرج مخرج الزجر والتنفير فإنه لا يقصد به هذا الحكم بعينه، وإنما يقصد تنفير الناس منه، كما تقول لابنك: والله إن فعلت ذلك لأقتلنك، وأنت لو فعله هل تقتله؟ لا.

بل قد لا تضربه، مع أنك قلت لأقتلنك هددته بالقتل لكنك لم تقتله، ولكن من شدة التنفير عبرت بذلك، فقالوا: إن الله عبر بالخلود في النار فيمن قتل مؤمناً عمداً تنفيراً منه وزجراً، وليس المراد إيقاع حقيقة ذلك.

الوجه الخامس: قال بعض العلماء: إن الخلود لا يقتضي التأبيد؛ لأن الخلود يأتي في اللغة العربية بمعنى المكث الطويل لا الدائم، وهذا الوجه يمكن أن يجاب به عن الآية الكريمة؛ لأن الله لم يذكر فيها التأبيد، لكن لا يمكن أن يجاب به عن الحديث أن من قتل نفسه بشيء فإنه يعذب به في جهنم خالداً فيها مخلداً أبداً.

وعلى كل حال فيما أرى أن أحسن الأجوبة الوجه الأول: أن القتل عمداً للمؤمن سبب للخلود في النار، ولكن هذا السبب قد يوجد فيه ما يمنعه فيكون في ذلك تحذير شديد أن يفعل الإنسان هذا الفعل؛ لأنه سبب للخلود في النار، فإذا فعله كان السبب موجوداً محققاً والمانع غير محقق، قد لا يحصل مانع.