للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[هل من شرط الإجماع أن ينعقد على دليل؟]

واختلف: هل من شرط الإجماع أن ينعقد على دليل أو لا يحتاج إلى ذلك؟ فذهب بعضهم إلى أن الإجماع لا بد له من مستند؛ لأن الأمة لا تجمع على ضلالة، وما لم يرد فيه نص فهو من تشريع ما لم يأذن به الله وهو ضلالة، فلا بد أن يكون الإجماع مستنداً إلى دليل.

وقال آخرون: بل الإجماع نفسه دليل، فلا يحتاج إلى مستند، ولعل القول الأول هو الراجح، لكن لا يشترط لمستند الإجماع أن يصل إلينا، فيمكن أن يستند الإجماع إلى حديث لم يبلغنا، أو إلى قياس أو اجتهاد ونحوه من الأدلة فلا يصل إلينا، ففي كل عصر من العصور، يمكن أن ينعقد الإجماع، لكن نقل الإجماع أصعب من انعقاده، فالذي ينقل الإجماع لا بد أن يكون شديد الاطلاع بحيث يعرف كل المجتهدين في العصر الذي ينقل الإجماع فيه، وقد اطلع على أقوالهم جميعاً، فمثلاً: لو أن شخصاً من أهل العلم في زماننا هذا، اطلع على علماء هذا العصر جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها، وعرف من بلغ رتبة الاجتهاد منهم والفتيا، وعرف أقوالهم في نازلة محددة كالصلاة في الطائرة مثلاً، فحكى إجماع أهل هذا العصر على جواز الصلاة في الطائرة، فيكون هذا إجماعاً لهذا العصر، فإن انقرض لم يحل نقضه، أما الإنسان غير المطلع على أوضاع العالم، فيمكن أن يكون في مشارق الأرض أو في مغاربها من وصل إلى رتبة الاجتهاد ولم يعلم هو به، أو علم به ولم يصل إليه قوله في تلك المسألة، فلا يصح حينئذ له أن يحكي الإجماع، ولهذا فالذين يحكون الإجماع في هذه الأمة قلائل، من أمثال ابن المنذر وابن حزم وابن تيمية وابن عبد البر، فهم العمالقة الكبار المطلعون على أوضاع العالم، الناقلون لعلوم المشارقة والمغاربة ولأهل الأطراف.

قال المصنف: [وأما الإجماع: فهو اتفاق علماء العصر على حكم الحادثة] ، والمقصود بالاتفاق هنا: هو تواطؤ فتواهم عليها، ولو لم يجتمعوا، ولو لم يتعارفوا فيما بينهم، ولم تصل فتوى بعضهم إلى بعض، فالمقصود أن تتواطأ فتواهم على الأمر.

قال: [ونعني بالعلماء: الفقهاء] ، والمقصود بهم هنا: المجتهدون، فلا عبرة بمخالفة العامي، ولا بمخالفة النحويين في مسائل الاجتهاد، ولا بمخالفة المتكلمين كذلك فيها، بل ولا بمخالفة بعض المحدثين فيها ممن ليس فقيهاً بالغاً لرتبة الاجتهاد، فالعبرة إذن لأهل الاجتهاد والفتيا.

قال: [ونعني بالحادثة: الحادثة الشرعية] أي: في الحكم الشرعي، فيخرج من ذلك الأمور العقلية، فلا فائدة من حكاية الإجماع على أن السماء فوق الأرض، أو الواحد نصف الإثنين مثلاً، وكذلك مخرج للأحكام العادية، فلا فائدة من حكاية الإجماع على أن النار محرقة، أو أن الماء حلو أو نحو ذلك.

ثم قال المصنف: [وإجماع هذه الأمة حجة دون غيرها] ، فمن خصائص هذه الأمة أنها لا تجتمع على ضلالة، فلا يمكن أن يجتمع مجتهدوها جميعاً على ضلالة؛ لأن أهل الاجتهاد فيها هم أمناء الله على الوحي، وليس بعد النبي صلى الله عليه وسلم نبي يصحح ما أخطئوا فيه، بخلاف الأمم السابقة، فإن علماءها وإن كانوا مؤتمنين على الوحي في منزلتهم إلا أنهم إذا أخطئوا فسيأتي بعدهم نبي يصحح الخطأ، وهذه الأمة لا يأتي بعد علمائها نبي، فعلماؤها مثل أنبياء بني إسرائيل مؤتمنون على الوحي، فلا يمكن أن يجتمعوا على ضلالة، ولهذا أخرج أبو عمر بن عبد البر في مقدمة التمهيد، والخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله: ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين) فالوحي من عند الله ولم يكن ليجعله بدار هوان، فيختار له الموقعين عن رب العالمين الذين هم محل ثقة ورضا، وخيارهم إنما هو من عند الله تعالى، والله أعلم حيث يجعل رسالته، يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة، ولهذا قال: {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا} [الكهف:٥١] .

قال المصنف: [لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) ] .

وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً في كل طريق من طرقه، إلا أن طرقه كثيرة وله شواهد كثيرة تؤيده.

قال: [والشرع ورد بعصمة هذه الأمة] ، أي: قد ورد في الشرع كثير من النصوص التي تدل على عصمة هذه الأمة، والمقصود بعصمتها في إجماعها.

<<  <  ج: ص:  >  >>