للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[الجمع بين ما يبدو في آيات الشفاعة من تعارض]

هناك آيات في الشفاعات الأخروية ظاهرها التعارض، فمثلاً قوله تعالى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ} [البقرة:٢٥٤] ، فالظاهر من هذه الآيات نفي الشفاعة مطلقاً، وبهذا تمسك جمهور المعتزلة الذين نفوا الشفاعات.

وجمهور أهل السنة أثبتوا الشفاعات لكنهم قيدوها بقيود: - منها: أن الشفاعة تكون بإذن الله، كما قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة:٢٥٥] .

- وأن الشفاعة تكون لمن ارتضاه الله، كما قال الله: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء:٢٨] .

- ولا تكون الشفاعة إلا ممن يستطيعها من العقلاء، أو من ذكر فيه نص، كالقرآن فإنه يشفع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه) .

وحمل أهل السنة والجماعة الآيات التي نفت الشفاعة كقوله تعالى: {وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ} [الأنعام:٧٠] تبسل يعني: تسلم أو تسلم {بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ} [الأنعام:٧٠] ، على الكفار.

فقالوا: لا شفاعة لكافر على الإطلاق إلا ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في شأن العباس إن استجيز أن يطلق عليها شفاعة، قال العباس لرسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن أبي طالب: (يا رسول الله! أبو طالب عمك كان يحوطك ويمنعك فهل نفعته بشيء؟ قال: نعم.

هو في ضحضاح من نار يغلي منهما دماغه، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) فهذه الصورة الوحيدة في الكفار التي تحدث فيها شفاعات، ومع ذلك فهي منازع فيها.

فمن أهل العلم من قال: إن الكفار في النار على دركات، فمثلاً: قال الله تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ} [النحل:٨٨] فلكفرهم عذاب ولصدهم عن سبيل الله عذاب، ونحوه قوله تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [العنكبوت:١٣] .

فهذا وجه جمع أهل السنة والجماعة ودرئهم للتعارض المتوهم، فقالوا: الشفاعة مثبتة بشروط: - أن تكون بإذن الله، {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة:٢٥٥] .

- وأن تكون لمن ارتضاه الله {وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء:٢٨] .

- ولا تكون في كافر.

- ولا تكون إلا ممن أوتيها.