للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[الهمة العالية للصلاة والقيام]

الصورة الأولى: في صلاة التراويح والقيام: كنت في طريقي لأحد المساجد لصلاة التراويح، وقبل الأذان بدقائق مررت بمسجد آخر، ورأيت ذلك الرجل الكبير يتكأ على عكازتين، ويدب على الأرض بمهل شديد، يسحب قدميه فتخط في الأرض خطاً، كان واضحاً أن المرض قد أنهكه، وأن التعب بلغ منه مبلغه، ومع ذلك خرج، لماذا؟ كل ذلك من أجل صلاة الجماعة، ومن أجل صلاة التراويح، فذكرت عندها قول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عند مسلم وفيه: (ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين، حتى يقام في الصف) .

ولا أنسى تلك العجوز محدودبة الظهر، متقاربة الخطى، متسارعة الأنفاس، وهي تزحف إلى المسجد زحفاً، والعجب أنها صلت واقفة، ورفضت الجلوس.

إيه أيتها النفوس! أليس لك بهذا معتبر؟! فما ملكت نفسي إلا ودمعةٌ تسيل على الخد، وأنا أردد: اللهم أعنها، اللهم يسر عليها، اللهم تقبل منها، اللهم إن لم يكن هؤلاء من الفائزين برمضان، فمن؟! نحن الكسالى؟! نحن الشباب أصحاب السواعد الفتية؟ أين أنت يا بن العشرين؟! أين أنت يا بن الثلاثين والأربعين من هؤلاء؟! هذه صورة، وما أكثر صور تلك الآباء والأمهات الذين نعجب من حرصهم، على الرغم من الأيدي المرتعشة، والأقدام المهتزة، والعظام الواهنة، والله إن الإنسان ليحتقر نفسه وعمله، وهو يرى هؤلاء الكبار من رجال ونساء، وكيف يتحاملون على أنفسهم على عجز وثقل، ومرض ولأواء، وقد عذرهم الله، ومع ذلك قلوبهم متعلقة بالمساجد، فهم إن شاء الله (في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله) كما في حديث السبعة.

ربما أصاب الإنسان منا التعب والإرهاق في صلاة التراويح أو القيام، فإذا شاهد حال هؤلاء الآباء ونشاطهم على ما هم فيه، كأنما نشط من عقال.

أفلا تسجل مواقفهم، وتسطر لتعيها الأجيال؟ اللهم تقبل منهم، واجعلهم من الفائزين برمضان.

<<  <  ج: ص:  >  >>