للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[باب النهي عن النوح (لعن النائحة والمستمعة)]

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم النائحة والمستمعة) أخرجه أبو داود.

النائحة: هي التي تنوح، أي: تبكي وتندب الميت، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم النهي عن النياحة على الميت، وعن شق الجيب، وعن لطم الخد، وعن أشياء كثيرة كان العرب يصنعونها في الجاهلية، ولا زال بعض الجهلة يفعلون ذلك، حتى كانت تذهب المرأة وتأتي بالطين وتجعله على رأسها، وذلك زيادة في الاستساءة، والفزع بموت من مات من عزيز عليها.

وكل ذلك من عدم الرضا بالقضاء والقدر، وعدم التسليم لقضاء الله سبحانه وتعالى، وفرق بعيد جداً بين هذا العمل، وبين فعل أم سليم زوجة أبي طلحة رضي الله تعالى عنهما؛ حيث: (كان لـ أبي طلحة ولد صغير، وكان عزيزاً عليه جداً؛ فمرض، فكان كلما أراد الخروج ينظر إليه، وإذا جاء فأول ما يسأل عنه، فتوفي في غيبة أبي طلحة، فجاء أبو طلحة فسأل عن الولد، قالت: إنه اليوم أسكن ما كان، وتركته مسجى، ثم قدمت له العشاء، ثم تهيأت له تهيؤ الزوجة لزوجها؛ حتى جامعها.

ثم بعد ذلك قالت له: يا أبا طلحة! أرأيت لو أن أحداً أودع أحداً وديعة، ثم جاء في وقت وطلبها منه، أكان يقدمها إليه أم يمتنع من رد الوديعة؟ قال: لا، بل إنه يرد الوديعة لصاحبها، قالت: فإن الله قد استودعك الغلام، وقد أخذ وديعته، فقم فواره؛ فغضب غضباً شديداً، وقال: تركتني حتى فعلت ما فعلت، ثم أخبرتني بهذا.

ثم لما أصبح غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، واشتكى إليه ما فعلت المرأة، فقال: بارك الله لكما في ليلتكما) فكانت ليلة مباركة، وحملت فكان حملاً مباركاً.

فهذه امرأة ولدها الصغير تعتريه الوفاة، ثم تتحمل وتستطيع أن تخفي آثار ذلك، لا تظهر علاماته على قسمات وجهها، ولا فلتات لسانها، بل تعد الطعام للزوج، ويتعشى، ثم تتهيأ في نفسها، وذلك لقوة الإيمان والقدرة على التحمل، والتسليم لقضاء الله.

ثم إذا بها تتلطف في إخبار الزوج بقضية مسلّمة: (وديعة طلبها صاحبها) ، ثم نقارن بينها وبين أولئك النسوة اللاتي ينحن، ويلطمن الخد، ويشققن الجيب؛ فالفرق كبير جداً، فالرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن النعي، وعن النياحة، وضرب الخد، وشق الجيب، بل قال: (ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية) والحديث الذي ذكره المؤلف يشمل النائحة والمستمعة، أي: والمستمع أيضاً، ولكن خصص المستمعة بالذكر، لأنها تأتي معها؛ لأنه كان من عادتهن أن يجتمعن في جانب، وينصبن مناحة -كما يقولون- وبعض النسوة تتكلم بعض الكلمات، ومجموعة من النسوة يرددن كلامها، فيكون عملاً مستقلاً خاصاً بالنساء، لا يشارك فيه الرجال، فإذا جاءت النساء مع النائحة ليفعلن ذلك الفعل، فالنائحة والمستمعة في هذا سواء.

وكذلك يقال: لو أن رجلاً يتسمع لذلك؛ فهو تابع في هذا، ما لم ينه عنه، أو يخرج من عهدة الإنكار لهذا المنكر.