للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[معنى قوله: (ثم استقم)]

قال عليه الصلاة والسلام: (قل آمنت بالله ثم استقم) ، فإذا تأمل المسلم هذه الجملة فقط لوجد كل العقائد في هذه الكلمة، فكأنه وضع القاعدة الأساسية التي يقوم عليها البناء، ثم منها الانطلاق، كما يجعلون قاعدة انطلاق قوية إذا كان المنطلق منها قوياً ثقيلاً يحتاج إلى قاعدة راسخة قوية لتتحمل رد الفعل، وتتحمل انعكاس الانطلاق كما يقولون في علم الحركة، فالانطلاق بعد الإيمان بالله إلى الاستقامة أمر عظيم.

وما هي الاستقامة؟ يتفق العلماء على أن الاستقامة وسط بين طرفين، فهي الاعتدال بلا اعوجاج كما قال الله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّمًا} [الكهف:١-٢] أي: ليس فيه عوج، لا في يمين ولا في يسار، وليس فيه هبوط ولا صعود، بل اعتدال واستقامة، وهكذا يقولون: الفضيلة وسط بين طرفين، فمثلاً: الشجاعة وسط بين التهور والجبن، والكرم وسط بين التبذير والتقتير، وكذلك الاستقامة.

الاستقامة إذا طبقناها على الإسلام كله، وجدناها تدخل في كل شيء منه، وهي الميزان الذي يزن العبد به أعماله.

جاء عن السلف رضي الله تعالى عنهم بيان معنى الاستقامة، فعن أبي بكر الصديق أنه لما قرأ قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت:٣٠] فقال: آمنوا بالله واستقاموا على ذلك حتى ماتوا، وقال عمر رضي الله تعالى عنه: آمنوا بالله ثم استقاموا ولم يروغوا روغان الثعالب، فالاستقامة على الإيمان بالله هي: الدوام عليه حتى يلقى الله، وهو على استقامته.

ومن جانب آخر يكون تحقيق الاستقامة في الإيمان بالله بلزوم وترك البدع المحدثة، فنحن نقرأ في كتب العقائد عن الطوائف المتعددة التي ضلت في أسماء الله وصفاته، فنجد مثلاً المشبهة والمعطلة، فالاستقامة تكون بلا تشبيه ولا تعطيل، تكون بإثبات صفات الله بلا تشبيه، وتنزيه الله بلا تعطيل، كما قال الله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:١١] فالاستقامة هنا طريق وسط بين طرف المشبهة الذين شبهوا الله بخلقه، وبين طرف المعطلة الذين عطلوا الله من صفاته التي وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله، فالاستقامة وسط بين هذا وذاك، إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل، هذه استقامة في حق أسماء الله وصفاته، وإذا جئنا إلى الاستقامة في الإسلام -كما سأل السائل- نجد أن الشريعة كلها بل الرسالة بأكملها إنما جاءت لتقرر الاستقامة والاعتدال في الطريق من الدنيا إلى الآخرة، وهو طريق العبد إلى ربه.