للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[بشر المريسي ونشره لمذهب الجهمية]

الجعد قتله خالد القسري، والجهم قتله سلم بن أحوز، فكل منهما قُتل، فدل على عظم ذنب كل منهما؛ ولكن مع الأسف بقيت عقيدتهما بعدهما، ما قتل الجهم إلَّا بعد أن أضل خلقاً كثيراً، وبعد أن تبعه أقوام وأفواج، وتمكنت عقيدته في إيران وفي تلك البلاد، ثم وصلت إلى العراق، فكان في العراق جهمي يقال له: بشر المريسي تقلد هذه العقيدة وكتب فيها كتباً، وقد رد عليه العلماء، ومن جملة من رد عليه: الإمام الدارمي في الرد المطبوع المسمى: رد الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد، وبيَّن في رده مذهب أهل السنة، وأبطل مذهبه الذي بناه على العقليات.

وفي زمن المريسي لم يكن له قوة وصولة؛ ولكن بعد موت الرشيد وموت ابنه الأمين بن الرشيد تولى الخلافة المأمون، ولما تولاها استولى عليه هؤلاء الجهمية وقربوا منه، وزيَّنوا له هذا المذهب الباطل، فانتحله واعتقده، فعند ذلك دعا الناس إلى اعتناقه، وفتن الناس، وحصل أذىً كثيراً، حتى فُتن الأئمة وأُدخل السجون كثيرٌ منهم، وأُكرهوا على أن يعتنقوا هذا القول، فادعى كثير منهم ذلك من باب التخلص لا أنه من باب عقيدة، كـ يحيى بن معين وغيره، وأما الإمام أحمد رحمه الله فإنه أصر على عقيدته، وطلب منهم دليلاً يؤيدون به حجتهم، فلم يأتوه بدليل مقنع، فأصر على أن القرآن كلام الله، وأنه ليس بمخلوق، وعذبوه أشد العذاب؛ ولكن لم يزدد إلا تصلباً وتشدداً، فقال له بعضهم: لو قلت: إن القرآن مخلوق لخلصناك من هذا العذاب، فقال: لو قلتم: إن القرآن كلام الله لخلصتم من عذاب النار.

والحاصل: أنه أصر على ذلك إلى أن جعل الله له فرجاً ومخرجاً، فتوفي المأمون قبل أن يصل إليه الإمام أحمد؛ ولكن تولى تعذيبه أخوه الذي استولى بعده، وهو المعتصم، إلى أن مات المعتصم والإمام أحمد لا يزال يُعذَّب أو لا يزال يُهان، وتولى بعده الواثق بن المعتصم ولكنه خفف المحنة، ولما مات الواثق تولى بعده ابنه المتوكل فنصر السنة وقرَّبها، وكبت أهل البدعة، وزالت دولتهم، ولا يزال لله تعالى قائم بالحق في كل زمان يجاهد في الله ويناضل.