للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[الروح وحلولها في الجسد]

وبعد أن ذكر المثال الأول وهو الجنة وما أخبر من النعيم فيها ذكر مثالاً آخر وهو الروح في الدنيا، وهذه الروح التي في بني آدم قد علم العاقل اضطراب الناس فيها، وإمساك النصوص عن بيان كيفيتها، مع وجوب إثباتها، والكل يثبت الروح، ويختلفون في حقيقتها، ومع هذا لم يصلوا إلى معرفة كنهها وحقيقتها، بل لما سألوا عنها قال الله عز وجل: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً} [الإسراء:٨٥] فأثبت الروح وبين الجهل بحقيقتها وإدراكها، وهي مخلوق من مخلوقات الله سبحانه وتعالى، فالله سبحانه وتعالى وما أخبر به عن نفسه يجب أن يجرى على هذه الطريقة.

قال: (مع أنا نقطع بأن الروح في البدن، وأنها تخرج منه وتعرج إلى السماء، وأنها تسل منه وقت النزع، كما نطقت بذلك النصوص الصحيحة، لا نغالي في تجريدها غلو المتفلسفة) أي: لا نغالي في تجريد الروح من هذه الأوصاف كما غلا (المتفلسفة ومن وافقهم حيث نفوا عنها الصعود والنزول، والاتصال بالبدن، والانفصال عنه، وتخبطوا فيها، حيث رءوها من غير جنس البدن وصفاته) فعدم مماثلتها للبدن لا ينفي أن تكون هذه الصفات ثابتة لها بحسبها, يعني: بحسب ما يناسبها ويليق بها، إلا أن يفسر كلامهم بما يوافق النصوص، فيكونون قد أخطئوا في اللفظ، وأنى لهم بذلك؟ يعني: يبعد أن يفسروا كلامهم الذي خالف النصوص على معنى يوافق النصوص.

فالمقصود من هذين المثالين إثبات أن بعض المخلوقات يعرف ولا تدرك حقيقته، ولا تدرك كيفيته أو كيفية صفاته، فكذلك الله جل وعلا وما أخبر به عن نفسه, نؤمن بذلك من غير أن نطلب كيفية، ولا أن نمثل، ولا أن نؤول أو نعطل, وبهذا يكون قد انتهى القسمان الأولان وهم من يقولون: تجرى على ظواهرها.

قال رحمه الله: [ولا نقول إنها مجرد جزء من أجزاء البدن كالدم والبخار مثلاً، أو صفة من صفات البدن والحياة، وأنها مختلفة الأجساد، ومساوية لسائر الأجساد في الحد والحقيقة، كما يقول طوائف من أهل الكلام، بل نتيقن أن الروح عين موجودة غير البدن، وأنها ليست مماثلة له، وهي موصوفة بما نطقت به النصوص حقيقة لا مجازاً، فإذا كان مذهبنا في حقيقة الروح وصفاتها بين المعطلة والممثلة، فكيف الظن بصفات رب العالمين؟] .

(ولا نقول: إن الروح مجرد جزء من أجزاء البدن كالدم والبخار مثلاً) يعني: لا نقول: إن الروح هي جزء كالدم والبخار بل هي تختلف؛ لأن الدم والبخار لا قوام له بغير البدن، وأما الروح فإنها تكون قائمة موجودة متأثرة بدون البدن, قال (أو صفة من صفات البدن والحياة، وإنها مختلفة الأجساد، ومساوية لسائر الأجساد في الحد والحقيقة، كما يقول طوائف من أهل الكلام، بل نتيقن أن الروح عين موجودة غير البدن) وهذا يجب اعتقاده في الروح: أنها عين، وأنها تقبض، وأنها تصعد وتنزل، هذا الذي يجب اعتقاده، وقد تكلم عليها ابن القيم رحمه الله كلاماً مفصلاً في كتابه الروح، قال: (وإنها ليست مماثلة له) أي: للبدن (وهي موصوفة بما نطقت به النصوص حقيقة لا مجازاً، فإذا كان مذهبنا في حقيقة الروح وصفاتها بين المعطلة والممثلة) المعطلة الذين ينفون إثبات الصفات للروح، ويقولون: إنها مجردة عن الصفات, والممثلة الذين يقولون: إنها كالبدن أو كجزء منه كالدم والبخار، (فكيف الظن بصفات رب العالمين؟) فكما أننا في الروح بين الممثلة والمعطلة، فكذلك نحن في صفات الله سبحانه وتعالى وما أخبر به عن نفسه بين الممثلة والمعطلة.

نقف على هذا.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

<<  <  ج: ص:  >  >>