فصول الكتاب

[الصبر يقوي الإيمان]

وأخيراً أقول: إن من أهم وأقوى وسائل تقوية الإيمان: الصبر، ولله در علي بن أبي طالب حين كان يقول: [[الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا فقد الصبر فقد معه الإيمان]] وهذه الكلمة صحيحة، فالصبر لا بد منه للإيمان، ولو تأملنا جميع الوسائل والأسباب السابقة، لوجدنا أنها مفتقرة إلى الصبر، فالإنسان قد يفكر في ملكوت السماوات والأرض مرة أو مرتين، لكن إذا لم يكن لديه صبر وجلد، وتوطين للنفس، فما أسرع أن يترك هذا التفكر وينشغل بالأمور العملية التي يعانيها في واقعه! والإنسان قد يذكر الله حيناً من الدهر، أو يحافظ على الصلاة، أو على الدعاء، أو على أي عمل من الأعمال الصالحة التي تقوي الإيمان، لكن إذا لم يكن لديه صبر، فما أسرع أن يدب إليه الكسل والملل! فيترك الذكر والدعاء والأعمال الصالحة، أو يفرط فيها! وقد يسعى في تحصيل العلم، فيجلس في حلقة من حلقات المشايخ الموجودة في طول هذه البلاد وعرضها، أو يقرأ شيئاً من الكتب، يبدأ في ذلك، وربما يبدأ بداية جادة، ولديه برنامج عريض طويل، وينتقل من حلقة إلى حلقة، ومن قراءة إلى سماع، وغير ذلك، لكن إذا لم يكن متحلياً بالصبر فسرعان ما يدب إليه الملل والضجر والضيق، ويترك هذه الأشياء جملة، وربما صار كالمنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.

وكذلك الدعوة إلى الله، قد يدعو إلى الله عز وجل، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لكن بمجرد ما يواجه معارضة أو عدم قبول، فإنه يترك هذا الأمر إذا لم يكن لديه صبر، وقد يجتمع مع بعض الطيبين والصالحين ويجالسهم، لكن إذا لم يكن لديه إمكانية الصبر على أذاهم، فسرعان ما يفارقهم، لأن الناس ما منهم إلا مؤذٍ ومُؤْذَى، يعني أن الإنسان مؤذٍ ومؤذى في نفس الوقت، فإذا لم يكن لديه صبر على تحمل ما يلقاه من عنت الناس فسرعان ما يفارقهم، بل إذا لم يكن لديه صبر على الصبر، فإنه قد يصبر مرة أو مرتين، ثم يترك هذه الأشياء.

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير