<<  <  ج: ص:  >  >>

[بيان التوحيد الذي جاءت به الرسل]

يستطرد الشيخ رحمه الله في بيان التوحيد الذي جاءت به الرسل فيقول: [فإن الإله عندهم -يعني: عند العرب- هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور] ، لأجل هذه الأمور المراد بها العبادة، وقد تنوعت أقوال العلماء رحمهم الله في تعريف الإله، فمنهم من قال: الإله اسم جنس يطلق على كل ما عبد بحق أو باطل، فكل ما عبد بحق أو باطل فإنه يطلق عليه إله، لكن غلب استعمال هذا اللفظ فيمن عبد بحق، وعرّفه شيخ الإسلام رحمه الله بأنه المعبود المطاع، وعرفه ابن القيم بأنه الذي تألهه القلوب، يعني: تعبده وتحبه، فإله بمعنى مألوه، ككتاب بمعنى مكتوب، وأشمل ما وقفت عليه من التعاريف لهذه الكلمة هو ما ذكره الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وبعض تلاميذه وأتباعه على دعوته حيث ذكروا أن الإله هو الذي يقصد بشيء من العبادة كما هو ظاهر من كلامه هنا، قال: (فإن الإله هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور) أي: لأجل العبادة، فالإله اسم جنس لكل ما قصد بشيء من العبادة، فكل ما توجه إليه العبد بشيء من العبادة أو قصده بصورة من صور التعبد فإنه قد اتخذه إلهاً، ولذلك لما كان النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة خارجين لغزوة حنين، وطلب منه بعضهم أن يجعل لهم ذات أنواط كما أن للمشركين ذات أنواط؛ جعل ذلك اتخاذاً لهذه الشجرة آلهة، فقال صلى الله عليه وسلم: (الله أكبر! إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده! كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ)) ، وهذا يدل على أن كل من قصد بشيء من التعبد فإنه إله، ولو كان القصد بشيء من التعبد، وليس بكل التعبدات، فمن صرف مثلاً الدعاء لغير الله، فسأل غير الله فإنه قد وقع في الشرك، ولو كان قد أخلص في الصلاة وفي الحج وفي الصيام وفي باقي العبادات، فصرف أي نوع من أنواع العبادة يوقع الإنسان في الشرك الذي هو اتخاذ إلهٍ من دون الله.

فقوله: (فإن الإله هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور) يفيدنا أن الإله هو ما قصد بشيء من العبادة، وعليه نعرف ونفهم بطلان ما ذهب إليه الذين يفسرون كلمة الإله بالخالق، أو بالقادر على الاختراع، أو بالصانع، كما سيتبين بعد قليل من كلام الشيخ.

يقول: (سواء كان ملكاً، أو نبياً، أو ولياً، أو شجرة، أو قبراً، أو جنياً) يعني: سواء كان المقصود بهذه الأنواع من العبادات أو ببعضها ملكاً أو نبياً أو ولياً أو شجرةً أو قبراً أو جنياً، فكل ما قصدته بشيء من العبادة فهو إله.

قال: (لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق المدبر) فالعرب لم يكونوا يفهمون من كلمة الإله أنه الخالق الرازق المدبر.

قال: (فإنهم يعلمون أن ذلك لله وحده) أي: يعلمون أن الخلق والملك والرزق والتدبير لله وحده، كما تقدم في الآيات الدالة على أن المشركين كانوا يقرون بأن الله هو المالك، وأن الله هو الرازق، وأن الله هو المدبر، وأن الله هو الخالق، يقول: (وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد) الذي يصرفون له أنواع العبادة، وهذا موجود في بعض البلدان والأماكن فيطلقون على من يصرفون لهم أنواع العبادة: السادة أو الأولياء أو الصالحين، أو بما اصطلحوا عليه من الألفاظ التي سموا بها هؤلاء الذين يصرفون لهم العبادة من دون الله.

قال الشيخ رحمه الله: [فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله] فإنها هي دعوة الرسل، وتقدم الدليل على ذلك، وفي حديث ابن عمر في الصحيحين: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله) ، فالدعوة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم هي دعوتهم إلى عبادة الله وحده دون غيره، ولا إله إلا الله معناها الذي يجهله كثير من المسلمين هو: لا معبود بحق إلا الله، وتقدم لنا أن الإله هو المعبود المطاع، فتنزيل هذا المعنى على هذه الجملة يبين لك أن معناها لا معبود بحق إلا الله، واحتجنا إلى تقدير الخبر؛ لأن الجملة الاسمية لا تتم إلا بمبتدأ وخبر، فاحتجنا إلى التقدير، وهنا إذا قلنا: لا إله إلا الله، ولم نقدر خبراً، فإن الجملة لا تتم، إذ أن (لا) لا تعمل في المعارف، وبالتالي لا يصلح أن يكون لفظ الجلالة في قوله: (إلا الله) خبراً، فاحتجنا إلى تقدير الخبر، والخبر المقدر أصح ما يقال فيه: إنه حق، يعني: لا إله حق إلا الله، ودليل صحة ذلك التقدير قوله جل وعلا: {فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ} [يونس:32] فيكون أحسن ما قدر في هذه الجملة أن تقول: لا معبود حق أو بحق إلا الله، فيكون لفظ الجلالة بدلاً عن الخبر وليس هو الخبر.

إذاً: عرفنا أن هناك تقديراً، والتقدير أصح ما يقال فيه: إنه حق، ووجه هذا التقدير قوله تعالى: {فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ} [يونس:32] ، ولو قال قائل: لا حاجة للتقدير، والمعنى: لا معبود إلا الله، قلنا: هذا لا يستقيم على لسان العرب، بل لابد من التقدير، وبعضهم قدر (موجود) وهذا فيه نظر، يعني: لا إله موجود إلا الله، قدر الخبر بموجود، وهذا فيه نظر، وأصح ما يقال في التقدير هو ما ذكرناه قبل قليل، وهو الذي يسلم من الاعتراضات الواردة على تقديره بموجود.

<<  <  ج: ص:  >  >>