<<  <  ج: ص:  >  >>

[جواز وقوع الشرك من المسلم دون أن يعلم مع مسارعته في الرجوع عند تنبيهه]

ثم قال رحمه الله في التعليق على هاتين القصتين: (ولكن هذه القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك لا يدري عنها، فتفيد التعلم والتحرز، ومعرفة أن قول الجاهل: التوحيد فهمناه! أن هذا من أكبر الجهل، ومكايد الشيطان) ولا شك -أيها الإخوة- أن هذا من أبرز ما يستفاد من الحديث، فإن الصحابة رضي الله عنهم سألوا هذا، وقد سأله أيضاً بنو إسرائيل؛ مع أنهم سألوه عندما خرجوا من ظلم فرعون؛ لأنهم سألوه وهم في الطريق بعد أن خرجوا من مصر وبعد أن دعاهم وبيّن لهم التوحيد، وأتى لهم بالدلائل، فبقوا معه سنوات، وسألوه هذا السؤال، فدل ذلك على خطورة هذا الأمر، ودل أيضاً على وجوب الحذر من قول من يقول: التوحيد فهمناه، بل يجب على الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى وطلبة العلم أن يهتموا بهذا العلم، وأن يعتنوا به، وأن يرشدوا الناس إلى دراسته وفهمه والاعتناء به، ولا يلزم من عرض التوحيد أن يعرض عرضاً موحداً أو عرضاً ثابتاً، بل يمكن عرض التوحيد من خلال شرح بعض آيات الكتاب أو شرح بعض أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، المهم أنه لابد من تعليق قلوب الناس بالله سبحانه وتعالى، ومن أعظم ما يُسلك في ربط قلوب الناس بالله سبحانه وتعالى، وتعليق قلوبهم به جل وعلا؛ ذكر صفاته وذكر أسمائه وذكر أفعاله؛ فإن أسماء الله وصفاته وأفعاله سبحانه وتعالى من أعظم ما يدل على وجوب صرف العبادة له، كذلك فإن الاهتمام بذكر صفات الله سبحانه وتعالى، وشرحها للناس، وإفهامهم لمعانيها ومقاصدها، وما تضمنته من أمور يحتاجها الناس؛ مما يعين على الدعوة إلى التوحيد وربط قلوب الناس بالتوحيد.

المهم أن الاشتغال بهذا الأمر هو من آكد ما ينبغي للعبد، ويدل على هذا أن أول دعوة الأنبياء هي الدعوة إلى التوحيد، بل جل دعوتهم إلى التوحيد، فالنبي صلى الله عليه وسلم استهل دعوته الناس بوجوب إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، وختمها بالتحذير من الشرك، فينبغي لنا الاهتمام بهذا، والاعتناء به، فإن هذا مما درج عليه السلف الصالحون، وسار عليه الأئمة المهديون.

ثم قال رحمه الله: (وتفيد أيضاً أن المسلم إذا تكلم بكلام كفر وهو لا يدري، فنبه على ذلك فتاب من ساعته أنه لا يكفر كما فعل بنو إسرائيل والذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم) ، وهذا النص ممكن أن تضيفه إلى النصوص التي سبق وأن قرأناها عليكم في مسألة العذر بالجهل، وأن الشيخ رحمه الله ليس من القائلين بعدم العذر مطلقاً، فأضف هذا النص إلى النصوص المتقدمة، وهذا النص يشرح الكلمة التي ذكرها الشيخ رحمه الله في أول كتابه من أنه قد يقول كلمة يكفر بها وهو جاهل بمعناها.

<<  <  ج: ص:  >  >>