للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[حكم الطلاق الوارد على صفة اليمين]

السؤال

ما رأيكم فيمن يجعل الطلاق كلاماً عابراً على لسانه، فيطلق على الضيوف، ويطلق إذا رفض الضيف أن يأكل، وإذا طلق وفجره الضيف قال للناس: اشهدوا أني استرجعت، وإن امرأتي لا زالت في عصمتي، وهل يعتبر هذا الطلاق أو لا يعتبر؟

الجواب

أولاً: لا يجوز للسائل أن يقول: ما رأيك؛ لأنه ليس هناك رأي في الدين، والذي يجب عليه أن يقول: ما حكم الشرع في كذا وكذا؛ لأن الدين بالدليل ليس بالرأي.

والطلاق شيء شرعه الله في دينه كحل وكمخرج نهائي عند تعذر الحياة الزوجية بين الزوجين، وهو من نعم الله عز وجل على الأمة، إذ لو أنك ارتبطت بامرأة، ثم ساءت عشرتك معها وساءت عشرتها معك، ولا تريدها ولا تريدك، وليس هناك وسيلة للخلاص، فكيف سيكون الأمر؟ عندها تكون مشكلة ومصيبة عليك إلى أن تموت، مثلما يحصل الآن في أوروبا، فعندهم في بعض الديانات ليس هناك طلاق، ولهذا أصبحت الزوجة سلسلة في رقبته تسحبه إلى أن يموت، ولكن الله شرع الطلاق كباب نهائي إذا فشلت الحياة، قال الله عز وجل: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ} [النساء:١٣٠] .

فقد يتزوج الإنسان بامرأةٍ فلا يرتاح لها ولا يسكن إليها ولا يطمئن لها، أو تتزوج امرأة بإنسان ولا تسكن ولا ترتاح إليه، فإذا لم تكن هناك عشرة، وليس هناك إقامة لحدود الله، ولا تفاهم، ولا انسجام، ولا تمازج؛ فليس هناك داعٍ إلى أن تستمر الحياة في جحيم، وعذاب، ومضاربة، ومشاكسة، وبغضاء، ولعن، وسب، وشتم، لماذا؟ لأنك تستطيع أن تتركها وتأخذ غيرها، فتأخذ واحدة طيبة إن شاء الله تُرجعك إلى الحياة الحقيقية، واتركها هي تأخذ من يصلح لها: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ} [النساء:١٣٠] .

أما أن تقعد إلزاماً، فلا.

فليس في دين الله حياة زوجية تقوم على عدم الرضا والقناعة، فإذا تمكن الزوج من ذلك، وإلا فإن من حقه أن يطلق، ومن حق المرأة إذا كانت هناك عيوب شرعية في الرجل أن تطلب الطلاق من زوجها كما هو موضح في كتب أهل العلم.

ولكن المصيبة أن الناس تلاعبوا بهذا الأمر، تلاعبوا بالطلاق، وأصبح الرجل منهم يطلق على كل صغيرة وكبيرة، يطلق إذا اشترى، ويطلق إذا باع، ويطلق إذا استضاف، ويطلق إذا أراد أن يبرهن للناس أنه صادق، وهذا كله لا يجوز في دين الله، أولاً: هذا قسم، والقسم بغير الله لا يجوز كما جاء في الحديث: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) (من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله) والإنسان إذا أراد أن يحلف فإنه يعظِّم، ومن عظَّم غير الله فقد أشرك بالله.

ثانياً: فيه تعريض لنفسه في أن يقع في الطلاق؛ لأن هذا الطلاق معلق، فالذي يحلف بالطلاق على شيء لمنع شخص من فعله، أو لدفع إنسان من فعله، أو لإقناع إنسان على أن هذا ليس بصحيح، فهذا الطلاق اختلف فيه أهل العلم هل يقع أو لا يقع، وقد قرأت فتوى لـ هيئة كبار العلماء في مجلة البحوث الإسلامية وفيه خمسة عشر عالماً برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله قد أفتوا بأن الطلاق المعلق يقع، ولكن بعض العلماء لهم وجهة نظر أضافوها في نهاية الفتوى للشيخ عبد العزيز بن باز، وللشيخ عبد الله خياط وغيرهما؛ سبعة من العلماء صارت لهم وجهة نظر أو رأي معين تعليقاً على ما رأته الهيئة بكامل أعضائها، ولذا فإن الجمهور يرون أن الطلاق المعلق يقع إذا حلف به صاحبه، فقد تطلق على ضيف أن يأتي ويمسي عندك اليوم، فيقول: كيف أذهب؟! عندي ظرف، ثم لم يأتِ، فهذا يقول: أستغفر الله وأشهدكم أني استرجعت امرأتي، أهي لعبة؟! أولاً: لا ينبغي أن يدور الطلاق في لسانك صادقاً كنت أم كاذباً، براً أم فاجراً، لا تفكر فيه أبداً؛ لأنك تحطم عشك وتحطم أسرتك، وتقضي على مستقبل أولادك وزوجتك.

وأذكر أنا كنا مرة جلوساً عند الشيخ عبد الله بن يوسف، فجاءنا رجلان متصاهران، قال الأول: يا شيخ! أفتنا: هذا صهري جاءني، وأنا أريد أن أكرمه، فطلقت إن لم أكرمه بذبيحة، فطلق هو أنها لا تكتب له، والآن أوقفنا النساء هناك مساكين ينتظرن الخبر، فصارت الآن مشكلة من أجل أن يعشيه لحماً ومرقاً.

قال له الشيخ: أحدكما يحنث وتحرم عليه زوجته إن كانت الثالثة، أو يسترجعها إن كانت غير الثالثة، وهذا الرأي الذي يفتي به العلماء في المحاكم، ولا يفتي بأن الطلاق المعلق لا يقع إذا حلف فيه إلا الشيخ عبد العزيز بن باز، ولكنه يحتاط لنفسه ويسأل المطلق، يقول: هل تقصد الطلاق أثناء ما حلفت؟ فإن قال: نعم.

أقصد الطلاق، قال: اذهب فقد وقع الطلاق، وإن قال: لا.

أنا لا أقصد الطلاق، ولكني أقصد اليمين فقط، ولا أنوي الطلاق أبداً ولا أقصده، قال له: نعم.

هذه يمين مكفر عن يمينك.

فهذا رأي الشيخ ابن باز رحمه الله خاص به، ومعه طائفة من أهل العلم، وقد كلمته أنا بنفسي، وقلت: يا شيخ! كيف تسمع الرجل يتلفظ بلسانه ويقول: طلاق، وتقول أنت: هل تقصد الطلاق؟ قال: نعم نسأله عن ذلك، قلت: حسناً! لو أتى واحد وصفعني في وجهي، وقلت: بالله أنت قصدك تصفعني أو قصدك تضع يدك في وجهي، ماذا أعبرها؟ فضحك الشيخ ضحكة واسعة جداً، ثم قال: جزاك الله خيراً، لكن الموضوع فيه سعة، ولا نريد أن نحرّج على الناس، وما هو ذنب المرأة التي في البيت، هذا رأي خاص به، لكن العلماء الآخرين يقولون: لا.

هذا شيء يملكه وما دام أنه تسرع فيه وطلق به، نوقعه عليه زجراً له حتى لا يتلاعب بالأيمان، ولا يلعب بالطلاق.

فالذي نوصي به الإخوان ألا يطلقوا لا في كبيرة ولا في صغيرة، ولا يلجأ الإنسان منهم إلى التلاعب بالأيمان، وإذا وقع منه شيء في الطلاق عليه أن يستفتي، ولا يحصل منه الاسترجاع هكذا من مجلس الكلام، فيقول: أشهدكم أني قد استرجعت، ويرجع، لا.

بل يذهب ويستفتي، وعلى المفتي أن يسأله كم قد سبق هذه، وهل هي الأولى أم الثانية أم الثالثة؟ وما هي نيتك من الطلاق؟ ومن الممكن أن يفتي على رأي الشيخ ابن باز ومن سار معه، أو أن يفتي على رأي الجمهور الذين يوقعون الطلاق، وعلى كل حال يجب على المسلم أن يتقي الله ولا يقع فيه هذا.

<<  <  ج: ص:  >  >>