للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[العدل وأهميته في الإسلام]

الحمد لله الكبير المتعال، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد:

فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله سبحانه، ومحاسبة أنفسكم قبل أن تحاسبوا، فاليوم عملٌ يتلوه موتٌ ليس بعده عمل: {وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} [البقرة:٢٨١] .

أيها الناس! في عام الفتح سنة ثمان من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، تعلوه السكينة، عزيز منتصراً، وهو يردد قول الباري جل شأنه: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} [الإسراء:٨١] دخل صلوات الله وسلامه عليه المسجد الحرام، ثم أخذ مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة، ثم جلس في المسجد، فقام إليه ابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومفتاح الكعبة في يده فقال: {يا رسول الله! اجمع لنا الحجابة مع السقاية، فقال صلى الله عليه وسلم: أين عثمان بن طلحة؟ فدعي له، فقال له صلى الله عليه وسلم: هاك مفتاحك يا عثمان! فإن اليوم يوم وفاء النذر} فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو قول الباري جل شأنه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء:٥٨] } .

لا إله إلا الله والله أكبر، انتصار ورفعة واقتدار على كفرٍ وبغي ومعاندين، كل ذلك لم يكن ليجعل النبي صلى الله عليه وسلم ينسى أنه إنما بعث بالعدل والقسط، حتى في حال المكر والغلبة، إنه العدل الذي ميز الله به أهل الإسلام، حيث جعلهم عدولاً خياراً بين سائر الأمم: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} [البقرة:١٤٣] أي: عدولاً خياراً.

ولقد أمر الله بالعدل ومدح أهله، ونهى عن الظلم وذم أهله ومواقعيه، فيما يزيد على ثلاث مائة وخمسين آية من كتاب الله.

العدل أيها المسلمون هو ميزان الأرض، والظلم والجور ليس لهما إلا معول هدمٍ وخرابٍ لكل دابة تدب عليها، وأعلم المظاهر العملية للظلم هي العدوان والقهر، وأشنع الصور العدوانية أغلبها ما كان فيه سفك الدماء، والإفساد في الأرض، والعلو فيها، وجعل أهلها شيعاً؛ ضعيفهم نهباً لقويهم على صورة صراع أهل الغاب.