للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

أَقْسَم بيوم القيامة، ولم يُقسِمْ بالنفسِ اللوامةِ (١).

وأولى الأقوالِ في ذلك عندِى بالصوابِ قولُ مَن قال: إِنَّ الله أَقْسَم بيومِ القيامةِ وبالنفسِ اللوَّامةِ. وجعَل "لا" ردًّا لكلامٍ قد كان تقدَّمه من قومٍ، وجوابًا لهم.

وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوالِ بالصوابِ؛ لأن المعروفَ من كلامِ الناسِ في محاوراتِهم إذا قال أحدُهم: لا واللهِ، لا فعَلْتُ كذا. أنه يَقْصِدُ بـ "لا" ردَّ الكلامِ، وبقولِه: واللهِ. ابتداءَ يمينٍ، وكذلك قولُهم: لا أُقْسِمُ بالله لا فعلَتُ كذا. فإذا كان المعروفُ من معنى ذلك ما وصَفنا، فالواجبُ أن يكونَ سائرُ ما جاء من نظائرِه جاريًا مَجْرَاه، ما لم يَخْرُجْ شيءٌ من ذلك عن المعروفِ بما يَجِبُ التسليمُ له. وبعدُ، فَإِنَّ الجميعَ من الحُجَّةِ مُجْمِعون على أنَّ قولَه: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. قَسَمٌ، فكذلك قولُه: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾. إلا أن تأتى حُجَّةٌ تدلُّ على أنَّ أحدهما قسَمٌ، والآخر خبرٌ. وقد دلَّلْنا على أنَّ قراءةَ من قرَأ الحرفَ الأوَّلَ: "لأقسم" بوصلِ اللامِ بـ "أُقْسِمُ" قراءةٌ غيرُ جائزةٍ (٢)، بخلافِها ما عليه الحجةُ مجمعةٌ. فتأويلُ الكلامِ إذن: لا، ما الأمرُ كما تقولون أيُّها الناسُ، من أنَّ الله لا يَبْعَثُ عِبادَه بعد مماتهم أحياءً، أُقْسِمُ بيوم القيامةِ.

وكانت جماعةٌ تقول: قيامةُ كلِّ نفسٍ موتُها.

ذكرُ مَن قال ذلك

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ ومسعرٍ، عن زيادِ بن علاقةَ، عن


(١) ذكره ابن كثير في تفسيره ٨/ ٣٠٠.
(٢) ينظر ما تقدم في ص ٤٦٥.