للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

تأويلِ ما لَمْ يُحْجَبْ عنهم تأويلُه مِن آيِه (١)؛ لأنه مُحالٌ أن يُقالَ لمن لا يَفْهَمُ ما يُقالُ له، ولا يَعْقِلُ تأويلَه: اعْتَبِرْ بما لا فهمَ لك به ولا معرفةَ مِن القيلِ والبيانِ [والكلامِ] (٢). إلا على معنى الأمرِ بأن يَفْهَمَه ويَفْقَهَه، ثم يَتَدَبَّرَه ويَعْتَبِرَ به.

فأما قبلَ (٣) ذلك فمستحيلٌ أمرُه بتدبرِه، وهو بمعناه جاهلٌ، كما مُحالٌ أن يُقالَ لبعضِ أصنافِ الأممِ الذين لا يَعْقِلون كلامَ العربِ ولا يَفْهَمونه (٤)، لو أُنْشِدَ (٥) قصيدةَ شعرٍ مِن أشعارِ بعضِ العربِ ذاتَ أمثالٍ ومَواعظَ وحِكَمٍ: اعْتَبِرْ بما فيها مِن الأمثالِ، وادَّكِرْ بما فيها مِن المواعظِ - إلَّا بمعنى الأمرِ له (٦) بفهمِ كلامِ العربِ ومعرفتِه، ثم الاعتبارِ بما نبَّهَه عليه ما فيها مِن الحِكَمِ، فأما وهي جاهلةٌ بمعاني ما فيها مِن الكلامِ والمَنْطِقِ، فمُحالٌ أمرُها بما دلَّت عليه معاني ما حوَته مِن الأمثالِ والعِبَرِ، بل سواءٌ أمرُها بذلك وأمرُ بعضِ البهائمِ به، إلا بعدَ العلمِ بمعاني المَنْطِقِ والبيانِ الذي فيها.

فكذلك ما في آيِ كتابِ اللَّهِ مِن العبرِ والحِكمِ والأمثالِ والمَواعِظِ، لا يجوزُ أن يقالَ: اعْتَبِرْ بها. إلا لمَن كان بمعاني بيانِه عالمًا، وبكلامِ العربِ عارفًا، وإلا بمعنى الأمرِ لمن كان بذلك منه جاهلًا أن يَعْلَمَ معانيَ كلامِ العربِ، ثم يَتَدَبَّرَه بعدُ، ويَتَّعِظَ بحِكَمِه وصنوفِ عِبَرِه.


(١) في م: "آيات".
(٢) سقط من: م، ت ٢.
(٣) في ت ١: "قيل".
(٤) في ت ١: "يفقهونه".
(٥) في م: "أنشدت".
(٦) في م: "لها".