للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقرَأه بعضُ مُتأخِّرِى القرَأةِ: (قِطْعًا) بسكون "الطاءِ" (١)، بمعنى: كأنما أُغشِيَت وجوههم سوادًا من الليلِ، وبقيةً من الليلِ، ساعةً منه، كما قال: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعِ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١] [الحجر: ٦٥]. أي: ببقيةٍ قد بَقِيَت منه. ويَعْتَلُّ لتصحيح قراءته ذلك كذلك، أنه في مصحف أبيٍّ؛ (ويَغْشَى وجوههم قطع مِن الليلِ مظلمٌ).

والقراءةُ التى لا يجوزُ خلافُها عندى، قراءةُ مَن قَرَأ ذلك بفتح "الطاء"؛ لإجماع الحجة من قرَأةِ الأمصار على تصويبها وشُذُوذٍ ما عَداها، وحسبُ الأخرى دَلالةً على فسادِها، خروج قارئِها عما عليه قرَأةُ أهلِ أمصارِ (٢) الإسلامِ.

فإن قال لنا قائلٌ: فإن كان الصوابُ في قراءةِ ذلك ما قلتَ، فما وجهُ تذكيرِ المُظْلِمِ وتوحيدِه، وهو مِن نعتِ القِطَعِ والقِطْعِ، جمعٌ لمؤنثٍ؟

قيل: في تذكير (٣) ذلك وجهان: أحدُهما، أن يكونَ قِطْعًا من الليلِ، وأن يكونَ من نعتِ الليل، فلما كان نكرةً، و"الليلُ" معرفةٌ نصب على القطْعِ؛ فيكون معنى الكلامِ حينئذٍ كأنما أُغْشِيَت وجوههم قطعًا من الليل المظلم. ثم حذفت "الألفُ" و"اللامُ" مِن "المظلم"، فلما صارَ نكرةً وهو مِن نعتِ "الليلِ" نُصِبَ على القطعِ.

ويسمّى أهلُ البصرة ما كان كذلك "حالًا"، والكوفيون "قطعًا".

والوجه الآخرُ على نحوِ قولِ الشاعرِ (٤):


(١) هي قراءة ابن كثير والكسائي. وتنظر المصادر السابقة.
(٢) في م: "الأمصار و".
(٣) في م، ف: "تذكيره".
(٤) هو أبو ذؤيب، وهذا صدر بيت في ديوانه ص ١١٣ عجزه:
*أحيى أبُوَّتَكِ الشُّمَّ الأماديحُ*