للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وها هم أولاء أهل التنجيم، بل أهل الشعوذة، يتسللون لِواذًا، مبتغين دخول بيوت المسلمين على حين غفلة من أهلها؛ فبينا تجتمع الأسرة المسلمة تنقِّل نواظرها لمتابعة ما قد ينفع من برامج متلفزة، وقليلٌ ما هي! إذ يطلع عليها دون استئذان من تزيّا بزيِّ السَّحَرة، وادعى زورًا معرفةً بالتنجيم، وأعظم على الله الفِرْية بزعمه أنه من أهل الولاية الصالحين، فبات يلقي على مسامعنا ما ينفر منه من له أدنى مُسْكة من عقل، أو أثارة من علم، ثم إن هذا المشعوذ مع كونه لم يحصِّل معرفةً بالتنجيم تُذكر، ولم يدرك من صنوف السحر ما يُعتبر، إلا أنه - وبكل صفاقة - لا يَدَع علمًا من علوم الدين أو الدنيا إلا ويدلي فيه بدلوه، حتى باتت سورة (الزُّمَر) عنده سورة الرَّمْز، وصار نبيُّ الله إبراهيم عليه السلام عنده منجمًا يستغيث بالكواكب يرتجي منها التلطف لتَدارَكه بالشفاء!! مستدلاً في ذلك بقول الله تعالى: [الصَّافات: ٨٨-٨٩] {فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ *فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ *} ، ويحَ هؤلاء ما أعظم جرأتهم على دين الله؛ إن أحدهم لم يكلِّف نفسه النظرَ في كتاب تفسير معتبرٍ قبل أن يفسر معنى نظر أبي الأنبياء إلى النجوم، ولو أن مدّعٍ منهم نظر إلى أشهر التفاسير (تفسير ابن كثير مثلاً) لوجد حلاًّ للمعضلة التي حار في فهمها، لكنّ الظن بأمثاله هو تعمُّد تشويه جلالة قَدْر أنبياء الله تعالى. يقول الإمام ابن كثير في تفسيره (١) : (إنما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام ذلك، ليقيم في البلد إذا ذهبوا إلى عيدهم، فإنه كان قد أَزِف خروجُهم إلى عيدٍ لهم، فأحبّ أن يختليَ بآلهتهم فيكسرها، فقال لهم كلامًا هو حقٌّ في نفس الأمر، فهِموا منه أنه سقيم على مقتضى ما يعتقدونه) . اهـ.

وهكذا يهرف هؤلاء السحرة بما لا يعرفون، فهم كَذَبة حتى في ادعائهم معرفةً بالتنجيم؛ فالتنجيم - على ما تقرر عند أهله - يستحيل أن يدرك المتمرِّسُ فيه معرفةَ تفاصيل حياة الإنسان التي قد تخفى حتى على أقرب الناس إليه، فما بال أحدهم حال سماعه اسم المتصل وزمن ولادته، وبلمسة من أنامله الآثمة على جهاز حاسوب، يُبدي للمتصل دقائقَ متعلقةً بصحته، فهو يُنْبئه بنوع الألم، وبدرجة التألّم، بل بوقت حدوث ذلك الألم واشتداد وطأته، وكأن أحدهم قد بات ابن سينا عصرِه أو بقراط دهرِه، كلُّ ذلك يتم بتقنية الاستشعار عن بُعد، وحال معرفة اسم المريض وزمن ولادته فقط!! تَطْلع علينا هذه الأقنية متبعةً سَنن أقنية غربية ما فتئت منذ زمن بعيد تمارس الدجل والشعوذة؛ تارة بورق اللعب (الكوتشينة) ، وأخرى بكُرة بِلَّوْرية، وثالثة بشاشات فلكية، فأبى دجاجلة العرب إلا اتباع دجاجلة الغرب حَذْو القُذَّة بالقُذَّة ودخلوا جُحر الضبِّ الذي دخلوه، بل إن بعضهم قد سبق أولئك في جُحْر الشعوذة، فبعد أن عَلِم أحدهم ما عَلِمَ من أمر الإسلام وأيقن تنفيرَه الشديد من ولوج دهاليز السحر والكهانة والتنجيم لم يُثْنِه ذلك كلِّه عن محادَّة الله ورسوله، فأوغل في ذكر وَصْفات للشفاء ابتدعها وجانَبَ بها جادَّة السُّنَّة، فهو يأمر مثلاً بتلاوة آيات سبعين مرة، بينا هو بالكاد يستطيع تلاوتها مُنزَّهة عن اللَّحْنين الخفيِّ والجليِّ في التلاوة، فتراه يرفع مخفوضًا أو يؤنِّث مذكرًا أو يُحِيل المفعول به فاعلاً!! فاعجب - أخي القارئ - لأمثال هؤلاء حين تنهال عليهم الاتصالات من كل حَدَب وصوب، وما أحسب أكثر المتواصلين معهم إلا متواطئين على نشر تلك الشعوذات بغية عَرَض من الدنيا قليل، فالحذر الحذر من تصديق أولئك السَّحَرة المُنَجِّمين سواء أتيناهم في دُورهم أم تسوَّروا علينا بيوتنا فدخلوها، بل إن خطر هؤلاء المتسوِّرين قد يكون أشد فتكًا من خطر ساحر التزم داره أو

تنقّل بشخصه بين دُور مَنْ يطلبه ويُغدِق عليه من عطاءاته، فالساحر المنجِّم على شاشة التلفاز يبلغ تأثيره عمومَ الناس، الناشئة فَمَن فوقَهم، وهو يشوِّه صورة الدِّين الحنيف عند من اعتنقه ومن لم يعتنقه، وقد أحسنَتْ إحدى دول الخليج العربي صنعًا بحظر دخول أمثال هؤلاء أراضيها، لكن مدعي السحر والتنجيم - للأسف، وبالتقدم التقني الحاصل - ما زالوا يتواصلون بمشاهديهم، فالحذر الحذر من جميع هؤلاء الذين لم يَدَعوا أكاذيب إلا اختلقوها، ولا علمًا بغيب إلا ادّعوا تملّك مفاتحه، بصناعة اخترعتها لهم شياطينهم، ثم ألقتها في رُوْعهم، فصاروا عبّادًا للنجوم من دون الله، وتكلّفوا ما لا علم لهم به، فضلّوا وأضلّوا وأضاعوا نصيبهم من الآخرة، والعياذ بالله تعالى.

وهاك أخي القارئ - نصَّ فتوى صدرت عن أكابر علمائنا، تبين حقيقة هؤلاء، وتصف سبيلهم، وتُحذِّر منهم، وتشدِّد النكيرَ عليهم:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد: فإن ما تبثُّه هذه القنوات من علم السِّحر والشعوذة والكهانة من أعظم المنكرات ومن أعظم الفساد، وإضلال الناس، وهي علوم تقوم على الكذب والدجل ودعوى علم الغيب بما يدَّعونه من النظر في النجوم والطوالع كما يقولون، أو مما يتلقَّوْنه من أصحابهم من شياطين الجن، وقد لا تكون لهم خبرة في هذه العلوم الشيطانية ولكنهم يدَّعونها كذبًا وزورًا لكسب المال، وهذه العلوم لا تَرُوج إلا على الجُهَّال والمغفَّلين وضعفاء الدين، وقد ذمَّ الله السِّحر والسَّحَرة والكُهَّان، كما قال الله تعالى: [طه: ٦٩] {وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} ، وقال: [البَقَرَة: ١٠٢] {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اُشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} ، وقال تعالى في سحرة فرعون: [يُونس: ٨١] {قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} ، وثبت في صحيح مسلم أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى كاهنًا فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاةٌ أربعين يومًا» (٢) ، وجاء في السُّنن: «من أتى كاهنًا أو عرَّافًا فسأله عن شيء فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمَّد» (٣) ، وسواء ذهب السائل إليهم ببدنه أو اتصل عليهم بواسطة الهاتف: الحكم واحد. وعلى هذا، فيجب الحذر من مشاهدة هذه البرامج فمشاهدتها ولو لمجرد الفرجة حرام، وأما الاتصال على أصحاب هذه البرامج لسؤالهم ففيه الوعيد المتقدم. ويجب على أولياء أمور الأُسَر منعُهم من مشاهدتها أو الاتصال على هؤلاء السَّحَرة والمشعوذين؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: «كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيته» (٤) ، وقال صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكَرًا فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه ... » (٥) .

ويجب على المسلمين التناصحُ والحذر والتحذير من التواصل مع هذه القنوات التي هَمُّ أصحابِها كسبُ المال ولو من الحرام، بل وأكثرهم يقصد الفساد والإفساد، فنقول: حسبنا الله ونعم الوكيل.

الموقعون:

الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين

الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك

الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي


(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، لابن كثير ص: ١٤٥٠ ط - بيت الأفكار.
(٢) أخرجه مسلم، بلفظ: «من أتى عرّافًا ... » الحديث؛ كتاب: السلام، باب: تحريم الكهانة وإتيان الكهّان، برقم (٢٢٣٠) ، عن بعض أزواج النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
(٣) الحديث رواه الأربعة أهل السنن: أبو داود برقم (٣٩٠٤) ، والنسائي برقم (١٣١) ، والترمذي برقم (١٣٥) ، وابن ماجه برقم (٦٣٩) ، عن أبي هريرة رضي الله عنه. وأخرجه أحمد في مسنده (٢/٤٠٨) ، والحاكم في مستدركه - واللفظ له - (١/٨) ، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وسكت عنه الذهبي. وصحّحه الألباني في «الإرواء» برقم (٢٠٠٦) .
(٤) متفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب: الجمعة في القرى والمدن، برقم (٨٩٣) ، ومسلم؛ كتاب: الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل، برقم (١٨٢٩) .
(٥) أخرجه مسلم؛ كتاب: الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، برقم (٤٩) ، عن أبي بكر رضي الله عنه.

<<  <   >  >>