للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وقد بحثها بحثًا عميقًا مفصلًا، في المسألة الثالثة، والمسألة الرابعة. وهي بحث -على نفاسته- جاء على هامش موضوع المقاصد. وكأنما أحس الشاطبي بهذا، فقال بعد إثارته لإشكال من إشكالات الموضوع "ويحتمل تحقيقه بسطًا أوسع من هذا، ولا حاجة إليه في هذا الموضع١.

وأما الموضوع الثاني "التكليف بما فيه مشقة"، فهو الموضوع الأهم في هذا النوع. لأنه إذا كان موضوع التكليف بما لا يطاق واضحًا مسلمًا، فإن مسائل المشقة في التكليف مما يكثر فيه الغموض والالتباس والحيرة.

وبقدر ما للموضوع من أهمية، وما فيه من صعوبة، بقدر ما كان الشابطي متحكمًا فيه، موفقًا في تجليه قضاياه. فبعد أن مهد بتعريف المشقة، وذكر أنواعها ودرجاتها، بدأ يقرر أحكامها، ومقاصد الشارع فيها:

وأول ذلك "أن الشارع لم يقصد إلى التكليف بالمشقة والإعنات فيه٢ يدل على هذا: النصوص الكثيرة النافية للحرج، والمصرحة باليسر والسماحة، في أحكام الشريعة ومقاصدها. كما يدل عليه: الرخص الكثيرة الواردة في تكاليف الشرع، فلو كان الشرع قاصدًا إلى المشقة لما وضع الرخص، والأمر -بعد هذا وذاك- محل الإجماع.

ثم انتقل إلى المسألة السابعة -أطول مسائل النوع- ليقرر في مطلعها "أن الشارع قاصد للتكليف بما يلزم فيه كلفة ومشقة ما، ولكن لا تسمى في العادة المستمرة مشقة، كما لا يسمى في العادة مشقة، طلب المعاش بالتحرف وسائر الصنائع، لأنه ممكن معتاد، لا يقطع ما فيه من الكلفة عن العمل في الغالب المعتاد، بل أهل العقول وأرباب العادات يعدون المنقطع عنه كسلان، ويذمونه بذلك "فكذلك المعتاد في التكاليف".

ورغم أن معظم التكاليف الشرعية لا تخلو من قدر من المشقة وأن الشارع قد قصد وضع هذا النوع من التكاليف، فإن الشارع غير قاصد نفسه المشقة التي


١ نهاية المسألة الرابعة.
٢ بداية المسألة السادسة.

<<  <   >  >>