للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

شافعيته-: "الصحابة رضي الله عنهم هم قدوة الأمة في القياس، وعلم قطعًا اعتمادهم على المصالح"١.

وهو في هذا يكرر ما قاله شيخه أبو المعالي -في مبحث الاستدلال، من كتابه: "البرهان"- حيث سلم بحجيته الاستدلال المصلحي، لأن ذلك من عمل الصحابة رضي الله عنهم، وهو كثير في فقهم وفتاويهم. ومن هنا أخذ به، مشترطًا أن تكون المصلحة شبيهة بما اعتبره الشارع من المصالح. وهو تحصيل حاصل عند القائلين بالمصلحة.

والذي يهمنا أكثر، هو علاقة المصلحة بمقاصد الشارع، فقد اتضح من خلال الفصل السابق -وسيأتي ذلك بمزيد من التفصيل- أن العبارة الجامعة لمقاصد الشارع كلها، هي: جلب المصالح ودرء المفاسد. وهذا مطرد في جميع أحكام الشريعة. واطراده أظهر ما يكون في أحكام العادات والمعاملات.

ومن هنا، يجب أن يكون الاجتهاد الفقهي قائمًا على أساس الاستصلاح، وأن يكون فهم النصوص والاستنباط منها قائمًا على أساس أن مقاصدها: جلب المصالح ودرء المفاسد، وأن يكون القياس عليها مراعيًا لهذا الأساس أيضًا. وهذا معنى مراعاة المصلحة في المذهب المالكي، فهو ليس مجرد الأخذ بالمصلحة المرسلة حيث لا نص ولا قياس. بل هو استحضار المصلحة عند فهم النص، وعند إجراء القياس، فضلًا عن حالات إعمال المصلحة المرسلة.

وإنما عنونت هذه الفقرة بالمصلحة المرسلة، جريا على ما هو شائع ومعروف من تميز الأصول المالكية بأصل " المصلحة المرسلة". وإلا فإن المصلحة عندهم أبعد أثرًا من هذا. والأمر كذلك أيضًا في سائر المذاهب إلا الظاهرية، غير أن المذهب المالكي، كان أصرح وأوضح في مراعاته للمصالح، باعتبارها المقصد العام للشريعة، والمقصد الخاص لكل حكم من أحكامها، وخاصة في أبواب المعاملات والعبادات، بينما مراعاة المصلحة في المذاهب الأخرى، يشوبها نوع من التردد والغموض. ولتمام توضيح المسألة، أنتقل إلى ذكر أمثلة لها:


١ المنخول: ٣٥٣.

<<  <   >  >>