للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الفضل جعفر ابن أمير المؤمنين المنصور، فأمرت في سنة أربع وسبعين ومائة بعمل بركتها التي بمكة، فأجرت لها عينا من الحرم فجرت بماء قليل، فلم يكن فيه ري لأهل مكة، وقد غرمت في ذلك غرما عظيما، فبلغها فأمرت المهندسين أن يجروا لها عينا من الحل.

ثم أمرت من يزن عينها الأولى فوجدوا فيها فسادا، فأنشأت عينا أخرى إلى جنبها، وأبطلت تلك العيون، فعملت عينها هذه بأحكم ما يكون من العمل، وعظمت في ذلك رغبتها، وحسنت نيتها، فلم تزل تعمل فيها حتى بلغت ثنية خل١، فإذا الماء لا يظهر في ذلك الجبل، فأمرت بالجبل فضرب فيه، وأنفقت في ذلك من الأموال ما لم تكن تطيب به نفس كثير من الناس، حتى أجراها الله على يديها وأجرت فيها عيونا من الحل، منها عين المشاش٢، واتخذت له بركا تكون فيها السيول إذا جاءت تجتمع فيها، ثم أجرت لها عيونا من حنين واشترت حائط حنين، فصرفت عينه إلى البركة، وجعلت حائطه سدا يجتمع فيه السبل. فصارت لها مكرمة لم تكن لأحد قبلها، وطابت نفسها بالنفقة فيها بما لم تطب به نفس أحد غيرها ... انتهى باختصار. وقد ذكرنا ذلك كله في أصل هذا الكتاب٣.

وذكر أبو الحسن المسعودي في "تاريخه" مقدار ما صرفت زبيدة على هذه العين، لأنه ذكر أن القاهر العباسي سأل محمد بن علي العبدي الخراساني الإخباري أن يبسط له في أخبار زبيدة، فذكر أن لها في الجد والعزم ما بررت به على غيرها، فأما الجد فالآثار الجميلة التي لم يكن في الإسلام مثلها، مثل حفرها العين المعروفة بعين المشاش بالحجاز، فإنها حفرتها ومهدت الطريق لمائها في كل خفض ورفع، وسهل ووعر، حتى أخرجتها من مسافة اثني عشر ميلا إلى مكة، وكان جملة ما أنفقت عليها فيما ذكروا قدر بألف ألف وسبعمائة ألف دينار٤ ... انتهى باختصار.

وهذه العين في غالب ظني عين مكة المعروفة بعين بازان٥ -بباء موحدة وألف ثم زاي معجمة ثم ألف ونون- لأنها من هذه الجهة، وقد عمر هذه العين جماعة من الخلفاء والملوك، منهم المستنصر العباسي غير مرة، منها: مرة في سنة خمس وعشرين وستمائة٦. ومنها: مرة في سنة أربع وثلاثين وستمائة. ومنهم: الأمير جوبان٧ نائب


١ ثنية خلة ويقال لها: خل الصفاح، وهي عند منتهى الحرم من طريق العراق، وطريق السيل للطائف.
٢ عين المشاش: بضم الميم. قال ياقوت: يتصل بجال عرفات جبال الطائف، ومنها مياه كثيرة، منها المشاش وهو الذي يجري بعرفات ويتصل إلى مكة "معجم البلدان ٥/ ١٣١".
٣ أخبار مكة للأزرقي ٢/ ٢٣٠- ٢٣٢.
٤ قارن بمروج الذهب ٤/ ٣١٧.
٥ وتعرف الآن بعين زبيدة.
٦ إتحاف الورى ٣/ ٤٤.
٧ إتحاف الورى ٣/ ٥٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>