فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كَفاهُ مِن تَعَرُّضِهِ الثَناءُ (1)

إِذا أَثنى عَلَيكَ المَرءُ يَوماً

وقال اخر:

وَرُبَّ قَبيحَةٍ ما حالَ بَيني ... وَبَينَ رُكوبِها إِلّا الحَياءُ

وَكانَ هُوَ الَّذي أَلهى وَلكِن ... إِذا ذَهَبَ الحَياءُ فَلا دَواءُ (2)

وقال ابي: عليك بالحياء والانفة, فانك ان استحييت من الغضاضة اجتنبت من الخساسة وان انفت من الغلبة لم يتقدمك احد في مرتبة. وقيل أحي حياءك بمجالسة من يستحيى منه. ويغفر الله للمتنبي حيث يقول:

وَأَوجُهُ فِتيانٍ حَياءً تَلَثَّموا ... عَلَيهِنَّ لا خَوفاً مِنَ الحَرِّ وَالبَردِ

وَلَيسَ حَياءُ الوَجهِ في الذِئبِ شيمَةً ... وَلَكِنَّهُ مِن شيمَةِ الأَسَدِ الوَردِ

اما عبد الله بن محمد الاندلسي فهو يقول:

وَإِذا خَلَوتَ بِرِيبَةٍ في ظُلمَةٍ ... وَالنَفسُ داعيَةٌ إِلى الطُغيانِ

فاِستَحي مِن نَظَرِ الإِلَهِ وَقُل لَها ... إِنَّ الَّذي خَلَقَ الظَلامَ يَراني

[قليل الحياء ممقوت]

التبجح وقلة الحياء تسبب المصائب وتجلب غضب الله الخالق, وقديما قيل: قليل الحياء سيء السيرة, خبيث السريرة, يرتكب الجرام الموبقات, قلبه خال من الرأفة والرحمة, قد حل به القسوة والجفوة. وعدم الحياء مصيبة ودمار, تجلب سخط الجبار, ويكون سببا لدخول النار وقليل الحياء ذليل حقير, لايوقر الكبير ولا يرحم الصغير, ولا يستحيي من الله العلى الكبير, فاحذر اخي من مجالسة قليلي الحياء, قال الشاعر:

اني لارى من لاحياء له ... ولاامانة وسط القوم عريانا

وقال اخر:

إِذا رُزِقَ الفَتى وَجهاً وَقاحاً ... تَقَلَّبَ في الأُمورِ كَما يَشاءُ

وَلَم يَكُ لِلدَواءِ وَلا لِشَيءٍ ... يُعالِجُهُ بِهِ عَنهُ غَناءُ

وَرُبَّ قَبيحَةٍ ما حالَ بَيني ... وَبَينَ رُكوبِها إِلّا الحَياءُ (3)

الحياء من الايمان

الحياء من الله, ان تحفظ حدوده, وتمتثل اوامره, وتكف عن زواجره ونواهيه, فالعاقل يستحيي ان يستعين بنعم الله على معاصيه, وفي الحديث ان النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ) (4) وقد كان الحياء من الايمان لانه للدين خلق, فحركات المستحيي وسكناته كلها في طاعة الله, والمستحيي اعماله صالحة, وهيئته جميلة يكسوها الوقار والهيبة وتحفها الزينة والاجلال ولو مثل كان رجلا صالحا (5) , (وما كان الحياء في شي الا زانه) (6) , كما ورد ذلك في السنة النبوية وجاء في الحديث: الحياء والإيمان قرنا جميعا فإذا رفع أحدهما


(1) - هذان البيتان لامية ابن ابي الصلت.
(2) - هذان البيتان لـ (علي بن الجهم) .
(3) - هذه الابيات لعلي بن الجهم.
(4) - صحيح مسلم باب عدد شعب الايمان حديث رقم (50) .
(5) - ورد ذلك من حديث عائشة مرفوعا عند الطبراني بلفظ (لوكان الحياء رجلا كان رجلا صالحا) .
(6) - ورد ذلك في حديث انس عند ابن ماجه بلفظ (ما كان الحياء في شي الا زانه) .

<<  <  ج: ص:  >  >>