<<  <  ج: ص:  >  >>

صَنَعَ فِيهَا ثُمَّ أَرْسَلَ الْغُرَابَ لِيَنْظُرَ لَهُ مَا فَعَلَ الْمَاءُ فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ فَأَرْسَلَ الحمامة فرجعت إليه لم يجد لرجلها مَوْضِعًا فَبَسَطَ يَدَهُ لِلْحَمَامَةِ فَأَخَذَهَا فَأَدْخَلَهَا ثُمَّ مَضَتْ سَبْعَةُ أَيَّامٍ ثُمَّ أَرْسَلَهَا لِتَنْظُرَ لَهُ ما فعل الماء فلم ترجع فَرَجَعَتْ حِينَ أَمْسَتْ وَفِي فِيهَا وَرَقُ زَيْتُونَةٍ فَعَلِمَ نُوحٌ أَنَّ الْمَاءَ قَدْ قَلَّ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ * ثُمَّ مَكَثَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ أَرْسَلَهَا فَلَمْ تَرْجِعْ إِلَيْهِ فَعَلِمَ نُوحٌ أَنَّ الْأَرْضَ قَدْ بَرَزَتْ فَلَمَّا كَمَلَتِ السَّنَةُ فِيمَا بَيْنَ أَنْ أَرْسَلَ اللَّهُ الطُّوفَانَ إِلَى أَنْ أَرْسَلَ نُوحٌ الْحَمَامَةَ وَدَخَلَ يَوْمٌ وَاحِدٌ مِنَ الشهر الأول من سنة اثنين، برر وَجْهُ الْأَرْضِ وَظَهَرَ الْبَرُّ وَكَشَفَ نُوحٌ غِطَاءَ الْفُلْكِ * وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ هُوَ بِعَيْنِهِ مَضْمُونُ سِيَاقِ التَّوراة الَّتِي بِأَيْدِي أَهْلِ الكتاب * قال ابن إسحق وفي الشهر الثاني

من سنة اثنين في ست وعشرين ليلة منه (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) [هود: 48] وَفِيمَا ذَكَرَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ نُوحًا قَائِلًا لَهُ: اخْرُجْ مِنَ الْفُلْكِ أَنْتَ وَامْرَأَتُكَ وَبَنُوكَ وَنِسَاءُ بَنِيكَ مَعَكَ وَجَمِيعُ الدَّوَابِّ الَّتِي معك ولينموا وليكبروا (1) فِي الْأَرْضِ.

فَخَرَجُوا وَابْتَنَى نُوحٌ مَذْبَحًا لِلَّهِ عزوجل وَأَخَذَ مِنْ جَمِيعِ الدَّوَابِّ الْحَلَالِ وَالطَّيْرِ الْحَلَالِ فذبحها قرباناً إلى الله عزوجل وَعَهِدَ اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ لَا يُعِيدَ الطُّوفَانَ على أهل الأرض.

وجعل تذكاراً لميثاقه إِلَيْهِ الْقَوْسُ الَّذِي فِي الْغَمَامِ وَهُوَ قَوْسُ وقزح الَّذِي قَدَّمْنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَمَانٌ مِنَ الْغَرَقِ * قَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ قَوْسٌ بِلَا وَتَرٍ أَيْ أَنَّ هَذَا الْغَمَامَ لَا يُوجَدُ مِنْهُ طُوفَانٌ كَأَوَّلِ مَرَّةٍ.

وَقَدْ أَنْكَرَتْ طَائِفَةٌ مِنْ جَهَلَةِ الْفُرْسِ وَأَهْلِ الْهِنْدِ وُقُوعَ الطُّوفَانِ وَاعْتَرَفَ بِهِ آخَرُونَ مِنْهُمْ وَقَالُوا إِنَّمَا كَانَ بِأَرْضِ بَابِلَ وَلَمْ يَصِلْ إِلَيْنَا.

قَالُوا وَلَمْ نَزَلْ نَتَوَارَثُ الْمُلْكَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ مِنْ لَدُنْ كُيُومُرْثَ يَعْنُونَ آدَمَ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا.

وَهَذَا قَالَهُ مَنْ قَالَهُ مِنْ زَنَادِقَةِ الْمَجُوسِ عُبَّادِ النِّيرَانِ وَأَتْبَاعِ الشَّيْطَانِ.

وَهَذِهِ سَفْسَطَةٌ مِنْهُمْ وَكُفْرٌ فَظِيعٌ وَجَهْلٌ بَلِيغٌ ومكابرة للمحسوسات وتكذيب لرب الأرض والسموات وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْأَدْيَانِ النَّاقِلُونَ عَنْ رُسُلِ الرَّحْمَنِ مَعَ مَا تَوَاتَرَ عِنْدَ النَّاسِ فِي سَائِرِ الْأَزْمَانِ عَلَى وُقُوعِ الطُّوفَانِ وَأَنَّهُ عَمَّ جَمِيعَ الْبِلَادِ (2) وَلَمْ يُبْقِ اللَّهُ أَحَدًا مِنْ كَفَرَةِ الْعِبَادِ اسْتِجَابَةً لِدَعْوَةِ نَبِيِّهِ الْمُؤَيِّدِ الْمَعْصُومِ وَتَنْفِيذًا لِمَا سَبَقَ فِي الْقَدَرِ الْمَحْتُومِ.

ذِكْرُ شئ من أخبار نوح عليه السلام

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُورًا) [الإسراء: 3] .

قِيلَ إِنَّهُ كَانَ يَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى طعامه


(1) وفي نسخة: وليكثروا.
(2) في الطوفان مسائل عديدة أجاب عنها الدكتور النجار في قصص الأنبياء ص 36 - 37: الاولى: هل عم طوفان نوح الكرة الارضية.
والجواب: أن بعض العلماء يميل إلى عمومه.
ويقول بعض علماء الجيولوجيا: إننا كلما بحثنا في أعالي الجبال وجدنا بقايا حيوانية من الاحياء التي لا تعيش إلا في الماء: وهذا يستدعي وجود طوفان على هذه الجبال بل عدد
من الطوفانات لوجود الاختلاف في عمر هذه البقايا، فلا مانع من أن يكونَ طوفان نوح أحدها ويكون قد =

<<  <  ج: ص:  >  >>