فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الْبَشَرَةِ، أَعْيَنَ أَهْدَبَ الْأَشْفَارِ، أَقْنَى، لَهُ جَمَّةٌ، ضَخْمَ الْكَفَّيْنِ، غَلِيظَ الْأَصَابِعِ، لَا يُغَيِّرُ شَيْبَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ وَاسْمُهُ جُنْدُبُ بْنُ جُنَادَةَ عَلَى الْمَشْهُورِ، أَسْلَمَ قَدِيمًا بِمَكَّةَ فَكَانَ رَابِعَ أَرْبَعَةٍ أَوْ خَامِسَ خَمْسَةٍ.

وَقِصَّةُ إِسْلَامِهِ تَقَدَّمَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ حَيَّا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى

بِلَادِهِ وَقَوْمِهِ، فَكَانَ هُنَاكَ حَتَّى هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَهَاجَرَ بَعْدَ الْخَنْدَقِ ثُمَّ لَزِمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَضَرًا وَسَفَرًا، وَرَوَى عَنْهُ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً، وَجَاءَ فِي فَضْلِهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، مِنْ أَشْهَرِهَا مَا رَوَاهُ الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي الْيَقْظَانِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم قَالَ " مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ، وَلَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنْ أَبِي ذَرٍّ " وَفِيهِ ضَعْفٌ.

ثُمَّ لَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَاتَ أَبُو بَكْرٍ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَكَانَ فِيهِ حَتَّى وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ فَاسْتَقْدَمَهُ عُثْمَانُ إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ نزل الربذة فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى مَاتَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ سِوَى امْرَأَتِهِ وَأَوْلَادِهِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى دَفْنِهِ إِذْ قَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ مِنْ الْعِرَاقَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَحَضَرُوا مَوْتَهُ، وَأَوْصَاهُمْ كَيْفَ يَفْعَلُونَ بِهِ، وَقِيلَ قَدِمُوا بعد وفاته فَوَلُوا غُسْلَهُ وَدَفْنَهُ، وَكَانَ قَدْ أَمَرَ أَهْلَهُ أن يطبخوا لهم شاة من غنمه ليأكلوه بعد الموت، وقد أَرْسَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى أَهْلِهِ فَضَمَّهُمْ مع أَهْلِهِ.

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ

فِيهَا كان فتح قبرص (1) فِي قَوْلِ أَبِي مَعْشَرٍ، وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ فَذَكَرُوهَا قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِيهَا غَزَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ إِفْرِيقِيَّةَ ثَانِيَةً، حِينَ نَقَضَ أَهْلُهَا الْعَهْدَ.

وَفِيهَا سَيَّرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ جَمَاعَةً مِنْ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَى الشَّامِ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا بِكَلَامٍ قَبِيحٍ فِي مَجْلِسِ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ، فَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ فِي أَمْرِهِمْ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ أَنْ يُجْلِيَهُمْ عَنْ بَلَدِهِ إِلَى الشَّامِ، وَكَتَبَ عُثْمَانُ إِلَى مُعَاوِيَةَ أَمِيرِ الشَّامِ أَنَّهُ قد أخرج إِلَيْكَ قُرَّاءُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَأَنْزِلْهُمْ وَأَكْرِمْهُمْ وَتَأْلَفْهُمْ.

فلمَّا قَدِمُوا أَنْزَلَهُمْ مُعَاوِيَةُ وَأَكْرَمَهُمْ وَاجْتَمَعَ بِهِمْ وَوَعَظَهُمْ وَنَصَحَهُمْ فِيمَا يَعْتَمِدُونَهُ مِنِ اتِّبَاعِ الجماعة وترك الانفراد والابتعاد، فأجاب مُتَكَلِّمُهُمْ وَالْمُتَرْجِمُ عَنْهُمْ بِكَلَامٍ فِيهِ بَشَاعَةٌ وَشَنَاعَةٌ، فَاحْتَمَلَهُمْ مُعَاوِيَةُ لِحِلْمِهِ، وَأَخَذَ فِي مَدْحِ قُرَيْشٍ - وَكَانُوا قَدْ نَالُوا مِنْهُمْ - وَأَخَذَ فِي الْمَدْحِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَالصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ.

وَافْتَخَرَ مُعَاوِيَةُ بِوَالِدِهِ وَشَرَفِهِ فِي قَوْمِهِ، وَقَالَ فِيمَا قَالَ: وَأَظُنُّ أَبَا سُفْيَانَ لَوْ وَلَدَ النَّاسَ كُلَّهُمْ لَمْ يَلِدْ إِلَّا حَازِمًا، فَقَالَ لَهُ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ: كذبت، قد


(1) في معظم المراجع العربية والاسلامية وردت قبرس فيها بالسين لا بالصاد.
(*)

<<  <  ج: ص:  >  >>