فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فَصَالَحَهُمْ نَائِبُ سَمَرْقَنْدَ - وَهُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطَرِّفٍ - عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَدَفَعَ إِلَيْهِمْ سَبْعَةَ عَشَرَ دِهْقَانًا رَهَائِنَ عِنْدَهُمْ، ثُمَّ نَدَبَ عُثْمَانُ النَّاسَ فَانْتَدَبَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْمُسَيَّبُ بْنُ بِشْرٍ الرِّيَاحِيُّ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فساروا نحو الترك، فلما كان في بعض الطريق [خطبهم] فَحَثَّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ ذَاهِبٌ إِلَى الْأَعْدَاءِ لِطَلَبِ الشَّهَادَةِ، فَرَجَعَ عَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ أَلْفٍ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ يَخْطُبُهُمْ وَيَرْجِعُ عَنْهُ بَعْضُهُمْ، حَتَّى بَقِيَ فِي سَبْعِمِائَةِ مُقَاتِلٍ، فَسَارَ بِهِمْ حَتَّى غَالَقَ جَيْشَ الْأَتْرَاكِ، وَهُمْ مُحَاصِرُو ذَلِكَ الْقَصْرِ، وَقَدْ عَزَمَ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ هُمْ فِيهِ عَلَى قَتْلِ نِسَائِهِمْ وَذَبْحِ أَوْلَادِهِمْ أَمَامَهُمْ، ثُمَّ يَنْزِلُونَ فَيُقَاتِلُونَ حَتَّى يُقْتَلُوا عَنْ آخِرِهِمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ الْمُسَيَّبُ يُثَبِّتُهُمْ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ، فَثَبَتُوا وَمَكَثَ الْمُسَيَّبُ حَتَّى إِذَا كان وقت السحر فكبر وَكَبَّرَ أَصْحَابُهُ، وَقَدْ جَعَلُوا شِعَارَهُمْ يَا مُحَمَّدُ، ثُمَّ حَمَلُوا عَلَى

التُّرْكِ حَمْلَةً صَادِقَةً، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَعَقَرُوا دَوَابَّ كَثِيرَةً، وَنَهَضَ إِلَيْهِمُ التُّرْكُ فَقَاتَلُوهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، حَتَّى فرَّ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ، وَضُرِبَتْ دَابَّةُ الْمُسَيَّبِ فِي عَجُزِهَا فترجل وَتَرَجَّلَ مَعَهُ الشُّجْعَانُ، فَقَاتَلُوا وَهُمْ كَذَلِكَ قِتَالًا عظيماً، والتف الْجَمَاعَةُ بِالْمُسَيَّبِ وَصَبَرُوا حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وفرَّ الْمُشْرِكُونَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ هَارِبِينَ لَا يَلْوُونَ على شئ، وَقَدْ كَانَ الْأَتْرَاكُ فِي غَايَةِ الْكَثْرَةِ، فَنَادَى منادي المسيب: أن لا تتبعوا أحداً، وَعَلَيْكُمْ بِالْقَصْرِ وَأَهْلِهِ، فَاحْتَمَلُوهُمْ وَحَازُوا مَا فِي مُعَسْكَرِ أُولَئِكَ الْأَتْرَاكِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَشْيَاءِ النَّفِيسَةِ وَانْصَرَفُوا رَاجِعِينَ سَالِمِينَ بِمَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ كَانُوا مَحْصُورِينَ، وَجَاءَتِ التُّرْكُ مِنَ الْغَدِ فَلَمْ يَجِدُوا بِهِ دَاعِيًا وَلَا مُجِيبًا، فَقَالُوا في أنفسهم: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَقُونَا بِالْأَمْسِ لَمْ يَكُونُوا إِنْسًا، إنما كانوا جنَّاً.

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ وَالسَّادَةِ: الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ الْهِلَالِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ، وَيُقَالُ أَبُو مُحَمَّدٍ، الْخُرَاسَانِيُّ، كَانَ يَكُونُ بِبَلْخٍ وَسَمَرْقَنْدَ وَنَيْسَابُورَ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ رَوَى عَنْ أَنَسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَقِيلَ إِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ لَهُ سَمَاعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ حتى ولا من ابن عبَّاس سماع، وإن كان قد روي أَنَّهُ جَاوَرَهُ سَبْعَ سِنِينَ، وَكَانَ الضَّحَّاكُ إِمَامًا فِي التَّفْسِيرِ، قَالَ الثَّوْرِيُّ: خُذُوا التَّفْسِيرَ عَنْ أَرْبَعَةٍ، مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكِ، وقال الإمام أحمد: هو ثِقَةٌ، وَأَنْكَرَ شُعْبَةُ سَمَاعَهُ مِنِ ابْنِ عبَّاس، وَقَالَ: إِنَّمَا أَخَذَ عَنْ سَعِيدٍ عَنْهُ، وَقَالَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ: كَانَ ضَعِيفًا.

وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقات، وَقَالَ: لَمْ يُشَافِهْ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَقِيَ ابْنَ عباس فقدوهم، وَحَمَلَتْ بِهِ أُمُّهُ سَنَتَيْنِ، وَوَضَعَتْهُ وَلَهُ أَسْنَانٌ، وكان يعلم الصبيان حسبة، وَقِيلَ إِنَّهُ مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَقِيلَ سَنَةَ ست ومائة والله أعلم.

أبو المتوكل الناجي اسمه علي بن البصري، تابعي جليل، ثقة، رفيع القدر، مات وقد بلغ الثمانين رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

<<  <  ج: ص:  >  >>