للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مرداويج، لقلة جيشه في هذا الحين.

وفي شعبان منها زَادَتْ دِجْلَةُ زِيَادَةً عَظِيمَةً وَانْتَشَرَتْ فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَسَقَطَتْ دَوْرٌ كَثِيرَةٌ، وَانْبَثَقَ بَثْقٌ مِنْ نَوَاحِي الْأَنْبَارِ فَغَرَّقَ قُرًى كَثِيرَةً، وَهَلَكَ بِسَبَبِهِ حيوان وَسِبَاعٌ كَثِيرَةٌ فِي الْبَرِّيَّةِ.

وَفِيهَا تَزَوَّجَ بَجْكَمُ بسارة بنت عبد الله البريدي.

ومحمد بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ الْوَزِيرُ يَوْمَئِذٍ بِبَغْدَادَ، ثُمَّ صُرِفَ عَنِ الْوِزَارَةِ بِسُلَيْمَانَ بْنِ الْحَسَنِ، وَضَمِنَ الْبَرِيدِيُّ بِلَادَ وَاسِطٍ وَأَعْمَالَهَا بِسِتِّمِائَةِ أَلْفِ دينار.

وفيها توفي قاضي القضاة أبو الحسن عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، وَتَوَلَّى مَكَانَهُ وَلَدُهُ أَبُو نَصْرٍ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ بْنِ محمد بن يوسف، وخلع عليه الخليفة الرَّاضِي يَوْمَ الْخَمِيسِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ مِنْهَا.

وَلَمَّا خَرَجَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيدِيُّ إِلَى وَاسِطٍ كَتَبَ إِلَى بَجْكَمَ يَحُثُّهُ عَلَى الخروج إلى الْجَبَلِ لِيَفْتَحَهَا وَيُسَاعِدُهُ هُوَ عَلَى أَخْذِ الْأَهْوَازِ مِنْ يَدِ عِمَادِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، وَإِنَّمَا كان مقصوده أن يبعده عن بغداد ليأخذها منه.

فلما انفصل بجكم بالجنود بلغه ما يريده البريدي من المكيدة به، فَرَجَعَ سَرِيعًا إِلَى بَغْدَادَ، وَرَكِبَ فِي جَيْشٍ كثيف إليه وأخذ الطرق عليه مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، لِئَلَّا يَشْعُرَ بِهِ إِلَّا وهو عليه.

فاتفق أن بجكماً كَانَ رَاكِبًا فِي زَوْرَقٍ وَعِنْدَهُ كَاتِبٌ لَهُ إذ سقطت حمامة فِي ذَنَبِهَا كِتَابٌ فَأَخَذَهُ بَجْكَمُ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فيه كتاب من هذا الكاتب إلى أَصْحَابِ الْبَرِيدِيِّ يُعْلِمُهُمْ بِخَبَرِ بَجْكَمَ، فَقَالَ لَهُ بجكم: ويحك هذا خطك؟ قال: نعم! ولم يقدر أن ينكر، فأمر بقتله فقتل وألقي في دجلة.

ولما شعر الْبَرِيدِيُّ بِقُدُومِ بَجْكَمَ هَرَبَ إِلَى الْبَصْرَةِ وَلَمْ يقم بها أيضاً بل هرب منها إلى غيرها.

واستولى

بَجْكَمُ عَلَى بِلَادِ وَاسِطٍ، وَتَسَلَّطَ الدَّيْلَمُ عَلَى جَيْشِهِ الَّذِينَ خَلَّفَهُمْ بِالْجَبَلِ فَفَرُّوا سِرَاعًا إِلَى بغداد.

وفيها اسْتَوْلَى مُحَمَّدُ بْنُ رَائِقٍ عَلَى بِلَادِ الشَّامِ فَدَخَلَ حِمْصَ أَوَّلًا فَأَخَذَهَا، ثُمَّ جَاءَ إِلَى دمشق وعليها بدر بن عبد الله الأخشيد المعروف ببدر (١) .

الأخشيد وهو محمد بن طغج، فأخرجه ابن رائق من دمشق قهراً واستولى عليها.

ثم ركب ابن رائق في جيش إلى الرملة فأخذها، ثم إلى عريش مصر فأراد دخولها فلقيه محمد بن طغج الأخشيد فَاقْتَتَلَا هُنَاكَ فَهَزَمَهُ ابْنُ رَائِقٍ وَاشْتَغَلَ أَصْحَابُهُ بالنهب ونزلوا بخيام الْمِصْرِيِّينَ، فَكَرَّ عَلَيْهِمُ الْمِصْرِيُّونَ فَقَتَلُوهُمْ قَتْلًا عَظِيمًا، وهرب ابن رَائِقٍ فِي سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَدَخَلَ دمشق في أسوأ حال وشرها، وأرسل له ابن ظغج أخاه أبا نَصْرَ بْنَ طُغْجٍ فِي جَيْشٍ فَاقْتَتَلُوا عِنْدَ اللجون في رابع ذي الحجة، فهزم ابن رائق المصريين وقتل أخو الأخشيد فيمن قتل، فغسله ابن رَائِقٍ وَكَفَّنَهُ وَبَعَثَ بِهِ إِلَى أَخِيهِ بِمِصْرَ وأرسل معه ولده وكتب إليه يحلف أنه ما أراد قتله، ولقد شق عليه، وَهَذَا وَلَدِي فَاقْتَدْ مِنْهُ.

فَأَكْرَمَ الْإِخْشِيدُ وَلَدَ مُحَمَّدِ بْنِ رَائِقٍ، وَاصْطَلَحَا عَلَى أَنْ تَكُونَ الرَّمْلَةُ وَمَا بَعْدَهَا إِلَى دِيَارِ مِصْرَ لِلْإِخْشِيدِ، وَيَحْمِلَ إِلَيْهِ الْإِخْشِيدُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ وَأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَمَا بَعْدَ الرملة إلى جهة دمشق تكون لابن رائق.

وفيها توفي من الاعيان..


(١) في الكامل ٨ / ٣٦٣ والعبر لابن خلدون ٣ / ٤٠٨: بدير (*) .

<<  <  ج: ص:  >  >>