فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عادتهم.

وفيها حصل الغلاء العظيم حتَّى كاد أن يعدم الخبز بالكلية، وكاد الناس أن يهلكوا.

وفيها عاث الروم في الأرض فَسَادًا وَحَرَقُوا حِمْصَ وَأَفْسَدُوا فِيهَا فَسَادًا عَرِيضًا، وَسَبَوْا مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَحَوًا مِنْ مِائَةِ أَلْفِ إنسانا فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.

وَفِيهَا دَخَلَ أبو الحسين جَوْهَرٌ الْقَائِدُ الرُّومِيُّ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ مِنْ جِهَةِ الْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ يَوْمَ الثلاثاء لثلاث عشر بَقِيَتْ مِنْ شَعْبَانَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ خطبوا لِلْمُعِزِّ الْفَاطِمِيِّ عَلَى مَنَابِرِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَسَائِرِ أعمالها، وأمر جوهر المؤذنين بالجوامع أَنْ يُؤَذِّنُوا بِحَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ، وَأَنْ يجهر الأئمة بالتسليمة الأولى، وذلك أنَّه لما مات كافور لَمْ يَبْقَ بِمِصْرَ مَنْ تَجْتَمِعُ الْقُلُوبُ عَلَيْهِ، وَأَصَابَهُمْ غَلَاءٌ شَدِيدٌ أَضْعَفَهُمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ المعز بعث جوهر هذا - وهو مولى أبيه المنصور - في جيش إلى مصر.

فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أَصْحَابَ كَافُورٍ هَرَبُوا مِنْهَا قبل دخول جوهر إليها، فدخلها بِلَا ضَرْبَةٍ وَلَا طَعْنَةٍ وَلَا مُمَانَعَةٍ، فَفَعَلَ ما ذكرنا، واستقرت أيدي الفاطميين على تلك البلاد.

وفيها شَرَعَ جَوْهَرٌ الْقَائِدُ فِي بِنَاءِ الْقَاهِرَةِ الْمُعِزِّيَّةِ، وبناء القصرين عندها على ما نذكره.

وفيها شرع في الإمامات إلى مولاه المعز الفاطمي.

وفيها أرسل جَوْهَرٌ جَعْفَرَ بْنَ فَلَاحٍ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ إِلَى الشَّامِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَكَانَ بِدِمَشْقَ الشريف أبو القاسم بن يعلى الهاشمي، وكان مطاعاً في أهل الشام فجاحف عَنِ الْعَبَّاسِيِّينَ مُدَّةً طَوِيلَةً، ثُمَّ آلَ الْحَالُ إلى أن يخطبوا للمعز

بدمشق، وحمل الشريف أبو القاسم هذا إلى الديار المصرية، وأسر الحسن بن طغج وجماعة من الأمراء وحملوا إلى الديار المصرية، فحملهم جوهر القائد إِلَى الْمُعِزِّ بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَاسْتَقَرَّتْ يَدُ الْفَاطِمِيِّينَ عَلَى دِمَشْقَ فِي سَنَةِ سِتِّينَ كَمَا سَيَأْتِي وَأُذِّنَ فيها وفي نواحيها بحي على خير العمل أكثر من مائة سنة، وكتب لعنة الشيخين عَلَى أَبْوَابِ الْجَوَامِعِ بِهَا، وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.

وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ كذلك حتى أزالت ذلك دولة الأتراك والأكراد نور الدين الشهيد وصلاح الدين بن أيوب على ما سيأتي بيانه.

وَفِيهَا دَخَلَتِ الرُّومُ إِلَى حِمْصَ فَوَجَدُوا أَكْثَرَ أهلها قد انجلوا عنها وذهبوا، فَحَرَّقُوهَا وَأَسَرُوا مِمَّنْ بَقِيَ فِيهَا وَمِنْ حَوْلِهَا نحوا من مائة ألف إنسان، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.

وَفِي ذِي الحجة منها نَقَلَ عِزُّ الدَّوْلَةِ وَالِدَهُ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ بْنَ بُوَيْهِ مِنْ دَارِهِ إِلَى تُرْبَتِهِ بِمَقَابِرِ قُرَيْشٍ.

ثم دخلت سنة تسع وخمسين وثلثمائة في عاشر المحرم منها عملت الرافضة بِدْعَتَهُمُ الشَّنْعَاءَ فَغُلِّقَتِ الْأَسْوَاقُ وَتَعَطَّلَتِ الْمَعَايِشُ وَدَارَتِ النِّسَاءُ سَافِرَاتٍ عَنْ وُجُوهِهِنَّ يَنُحْنَ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ وَيَلْطِمْنَ وُجُوهَهُنَّ، وَالْمُسُوحُ مُعَلَّقَةٌ فِي الأسواق والتبن مدرور فيها.

وفيها دخلت الروم إنطاكية فقتلوا من أهلها الشيوخ والعجائز وسبوا الصبايا والأطفال نحواً من عشرين ألفاً فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وَذَلِكَ كُلُّهُ بِتَدْبِيرِ مَلِكِ الْأَرْمَنِ نُقْفُورَ لَعَنَهُ الله، وكل هذا في ذمة ملوك الأرض أهل الرفض الذين قد استحودوا على البلاد وأظهروا فيها الفساد قبحهم الله.

قال ابن الجوزي: وكان قد تمرد وطغا، وكان هذا الخبيث قد تزوج بامرأة الملك الذي كان قبله، ولهذا الملك المتقدم ابنان، فأراد أن يخصبهما وَيَجْعَلَهُمَا فِي الْكَنِيسَةِ لِئَلَّا يَصْلُحَا بَعْدَ

<<  <  ج: ص:  >  >>